تستعد دائرة بولمان لمواجهة انتخابية لافتة، بعدما دخل امحند العنصر، الأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية، رسمياً سباق المنافسة باسم حزبه، في مواجهة محمد شوكي، الأمين العام المنصب في حزب التجمع الوطني للأحرار، في معركة لا تتجاوز رهاناتها ثلاثة مقاعد برلمانية، لكنها تحمل في طياتها دلالات سياسية تتجاوز بكثير حجم الدائرة.
عودة العنصر إلى الواجهة الانتخابية في بولمان لا تبدو مجرد عودة لاسم سياسي راكم تجربة طويلة داخل المشهد الوطني، وإنما تأتي في مواجهة مباشرة مع الأمين العام الحالي لحزب التجمع الوطني للأحرار، ما يمنح الاستحقاق المحلي بعداً سياسياً خاصاً، ويجعل كل نتيجة محتملة محط قراءة تتجاوز الحسابات الانتخابية التقليدية.
فالانتخابات في بولمان هذه المرة تأتي محملة بذاكرة انتخابات 2021، وهي محطة ما تزال تحيط بها الكثير من علامات الاستفهام والجدل، خصوصاً في ظل الاتهامات والتصريحات التي رافقت تدبير العملية الانتخابية آنذاك، والتي اعتبر معها خصوم التجمع الوطني للأحرار أن الحزب استفاد من نفوذ انتخابي وسياسي واسع في عدد من الدوائر.
مواجهة بين أمينين عامين.. سابق وحالي
تكمن أهمية المواجهة الحالية في أن العنصر لا يدخل المنافسة باعتباره مرشحاً عادياً، بل باعتباره أحد أبرز الوجوه التاريخية لحزب الحركة الشعبية، وشخصية سياسية سبق أن قادت الحزب لسنوات طويلة.
وفي المقابل، يخوض محمد شوكي المنافسة من موقع سياسي قوي داخل التجمع الوطني للأحرار، وهو الحزب الذي يقود الحكومة، والذي تمكن خلال انتخابات 2021 من تعزيز حضوره في عدد من المناطق والدوائر.
وبذلك، تتحول بولمان إلى ساحة مواجهة بين تجربتين سياسيتين مختلفتين، تجربة حزب له امتداد تاريخي قوي في المنطقة، وقيادة حزبية جديدة تراهن على الحفاظ على المكاسب التي حققها الأحرار خلال الاستحقاقات السابقة.
لكن المفارقة أن عودة العنصر تأتي في اللحظة التي تغيرت فيها الكثير من المعطيات التي صنعت مشهد 2021.
ماذا تغير منذ انتخابات 2021؟
من بين أبرز المتغيرات التي تحيط بالاستحقاق الحالي غياب رشيد الفايق عن المشهد الانتخابي، بعد وجوده خلف أسوار السجن، وهو الاسم الذي ارتبط بشكل مباشر بتصريحات مثيرة حول انتخابات 2021 وعلاقته بعدد من الفاعلين السياسيين.
وكان الفايق قد تحدث، في تصريحات نسبت إليه، عن مساهمته في إنجاح محمد شوكي خلال انتخابات 2021، وربط ذلك بمبلغ مالي قُدر بمليار سنتيم، قال إنه لم يسترده بعد من شوكي.
وتظل هذه التصريحات، بما تحمله من خطورة، ادعاءات منسوبة إلى الفايق ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً قضائياً لوقائع الاتهام، ما لم تؤكدها أحكام أو معطيات قضائية نهائية.
لكن مجرد تداول هذه الرواية في سياق انتخابي جديد يجعلها حاضرة في النقاش السياسي حول بولمان، خصوصاً أن الأمر يتعلق بالانتخابات التي أفرزت الصيغة الحالية للتمثيلية البرلمانية في الدائرة.
فإذا كانت انتخابات 2021 قد أنتجت نتائج اعتبرها التجمع الوطني للأحرار انتصاراً سياسياً، فإن عودة العنصر اليوم تفتح الباب أمام اختبار جديد: هل كانت تلك النتائج تعكس فعلاً تحولات عميقة في الخريطة الانتخابية ببولمان، أم أن جزءاً منها كان مرتبطاً بظروف واستقطابات انتخابية لم تعد قائمة اليوم؟
غياب الفايق.. متغير ثقيل
لا يمكن فصل المشهد الحالي عن غياب رشيد الفايق، الذي كان رقماً صعباً في شبكة العلاقات الانتخابية والحزبية خلال المرحلة السابقة.
وجوده خلف القضبان يعني أن أحد أبرز الفاعلين الذين ارتبط اسمهم بتلك المرحلة لم يعد حاضراً بالطريقة نفسها في الاستحقاق الحالي، وهو ما يغير بالتأكيد طبيعة التوازنات الانتخابية.
لكن الأهم هو أن تصريحات الفايق السابقة، بصرف النظر عن مدى ثبوتها، أصبحت جزءاً من الذاكرة السياسية التي تحيط بانتخابات 2021.
وهنا تصبح مواجهة العنصر وشوكي أكثر من مجرد صراع على ثلاثة مقاعد؛ إنها مواجهة على روايتين انتخابيتين.
الأولى تريد أن تثبت أن الحركة الشعبية قادرة على استعادة حضورها التاريخي في بولمان، والثانية تريد أن تؤكد أن نتائج 2021 لم تكن ظرفية، وأن التجمع الوطني للأحرار أصبح رقماً أساسياً في المعادلة الانتخابية المحلية.
ثلاثة مقاعد.. لكن الرهان أكبر
ثلاثة مقاعد فقط ستكون كافية لإعادة رسم موازين القوة في الدائرة، وهو ما يجعل كل صوت وكل تحالف وكل اسم مؤثر في الحسابات الانتخابية.
فالانتخابات لا تُحسم دائماً بالأسماء الكبيرة، وإنما بقدرة كل حزب على بناء شبكة انتخابية قادرة على تحويل الحضور السياسي إلى أصوات.
وفي حالة العنصر، فإن الرهان يتمثل في استثمار رصيده التاريخي وعلاقته بالمنطقة وبالناخبين، واستعادة موقع الحركة الشعبية في دائرة شكلت لسنوات مجالاً مهماً لحضور الحزب.
أما شوكي، فيراهن على الحفاظ على موقع الأحرار وتعزيز صورة الحزب باعتباره القوة السياسية التي تمكنت من تحقيق اختراق انتخابي مهم في 2021.
اختبار حقيقي لنتائج 2021
لهذا السبب تحديداً، ستكون انتخابات بولمان المقبلة بمثابة اختبار سياسي لنتائج 2021.
فإذا تمكن العنصر من العودة إلى البرلمان عبر بوابة بولمان، فإن ذلك سيشكل إشارة إلى أن الخريطة الانتخابية التي أفرزتها انتخابات 2021 ليست بالضرورة مستقرة، وأن الحركة الشعبية ما زالت تمتلك قدرة على تعبئة الناخبين واستعادة مواقعها.
أما إذا حافظ شوكي على موقعه، فسيكون ذلك بمثابة تأكيد سياسي على استمرار النفوذ الانتخابي الذي حققه التجمع الوطني للأحرار خلال الاستحقاق السابق، رغم تغير عدد من الظروف والفاعلين.
وبين السيناريوهين، تبقى قضية 2021 حاضرة بقوة، ليس فقط بسبب النتائج، وإنما بسبب الجدل الذي رافقها والتصريحات التي ظهرت لاحقاً حول طرق صناعة تلك النتائج.
معركة على المقاعد.. وعلى المصداقية
ما يجعل بولمان مثيرة للاهتمام هو أن المنافسة لن تكون فقط بين مرشحين أو حزبين، وإنما ستكون اختباراً لمصداقية العملية السياسية نفسها.
فالناخب الذي يتابع اليوم عودة العنصر في مواجهة شوكي، ويستحضر ما قيل عن انتخابات 2021، وخصوصاً الاتهامات والتصريحات المتعلقة بالمال والنفوذ الانتخابي، سيكون أمام استحقاق جديد يفترض أن تكون قواعده أكثر وضوحاً وشفافية.
والأهم أن أي نتيجة ستفرزها صناديق الاقتراع ينبغي أن تكون قابلة للدفاع عنها سياسياً وأخلاقياً، بعيداً عن منطق النفوذ أو شراء الأصوات أو استعمال المال لتوجيه إرادة الناخبين.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بثلاثة مقاعد فقط.
إنها مواجهة بين امحند العنصر، أحد أبرز رموز الحركة الشعبية، ومحمد شوكي، أحد أبرز وجوه التجمع الوطني للأحرار، لكنها أيضاً مواجهة بين ذاكرة انتخابات 2021 وواقع انتخابي جديد، بين نفوذ سياسي سابق وتوازنات تتشكل من جديد، وبين سؤال بسيط لكنه حاسم: هل ستقول صناديق بولمان هذه المرة كلمتها بعيداً عن كل ما أحاط بالاستحقاق السابق من جدل واتهامات؟
وهنا تحديداً تكمن أهمية المعركة المقبلة، ليس في عدد المقاعد الثلاثة، وإنما في ما ستقوله نتائجها عن حقيقة التحولات التي عرفتها بولمان منذ انتخابات 2021.





