قراءة سوسيولوجية في الاختلال المجالي والسلوك اليومي
تتحول السياقة في شوارع مدينة طنجة إلى تجربة يومية محفوفة بالمخاطر، حيث يمتزج فيها التوتر النفسي بالارتباك المجالي، وتكشف الملاحظة العينية اليومية عن مشاهد تتجاوز مجرد الاكتظاظ المادي لتفصح عن مظاهر أزمة سوسيولوجية عميقة، يبرز فيها الاستعمال المفرط لأبواق السيارات، واللفتات العدوانية باليدين، والانتهاك الصريح لقواعد السير كالسير في الاتجاه المعاكس، فضلا عن السلوكيات الرعناء لسائقي السيارات والدراجات النارية الذين يتنافسون على أسبقية وهمية وسط محاور مرورية مشلولة.
إن فهم هذا العنف الميداني والانفلات السلوكي في حركة السير يتطلب الخروج من منطق إدانة الفاعلين وحدهم نحو تحليل البنية الحضرية التي تؤطر حركتهم، ويقف في صدارة هذه المشكلات غياب الرؤية الاستباقية لدى مهندسي التخطيط الحضري، حيث عجز التصميم الأصلي للمدينة عن استيعاب النمو الديمغرافي المتسارع والتوسع السكاني الكثيف الذي شهدته طنجة خلال العقود الأخيرة.
ويرتبط هذا العجز البنيوي بالتراكم التاريخي للبناء غير المنظم في العديد من الأحياء، مما أنتج نسيجا عمرانيا مغلقا يعاني من ضيق المسالك وقلة الشرايين الطرقية الفرعية التي كان بإمكانها تخفيف الضغط عن المحاور الرئيسية، ونتيجة لذلك، تجد آلاف المركبات نفسها محاصرة في عدد محدود من المنافذ الكبرى دون وجود مسارات بديلة لامتصاص التدفقات المرورية.
وما يضاعف من حدة الشلل المروري هو الاستمرار في تركيز المؤسسات الإدارية والخدمات الحيوية داخل مركز المدينة، هذا التمركز الجغرافي ينشئ إيقاعا زمنيا موحدا للتحرك، حيث يتقاطر الموظفون والعملاء والمرتفقون في ساعات ذروة متطابقة، مما يجعل وسط المدينة بؤرة احتقان دائم.
وتتفاقم هذه الوضعية بشكل حاد مع حلول فصل الصيف وتوافد أعداد غفيرة من السياح وأبناء الجالية المقيمة بالخارج، حيث تتعرض البنية التحتية لضغط مضاعف ينهك الشوارع الحيوية والمنافذ الساحلية.
ومع بداية الموسم الدراسي، ينضاف النقل المدرسي بأسطوله المتشعب وتوقفاته الفوضوية ليشكل ضغطا إضافيا يوصل حركة الجولان إلى حالة الاختناق التام.
إن معالجة أزمة السير في طنجة تتطلب صياغة تدابير استعجالية تتجاوز التدخلات الأمنية والتقنية المباشرة إلى مقاربة مجالية شاملة، مقاربة تعتمد بالأساس على اللامركزية الخدماتية، وإعادة هيكلة المسالك الطرقية للأحياء الشعبية، وتنظيم النقل المدرسي، إلى جانب غرس الوعي بالمسؤولية الجماعية لإعادة الاعتبار للمجال العام بوصفه فضاء مشتركا للجميع.
-باحث في علم الاجتماع
The post أزمة الجولان في طنجة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

