إيران وأسئلة ما بعد "الانتصار"
جواد الساعدي*
لا ينبغي أن نهتم بالخطوات والإنجازات العسكرية بقدر ما نهتم، على المستويين القريب والبعيد، بالأهداف السياسية والاجتماعية التي تحاول تجسيد الثقافة، وفرض العقائد التي تقف وراءها؛ لذا سأتجاوز هنا مقاييس النصر ومعاييره المختلفة وأذهب مباشرةً إلى مفاعيله الإيرانية على المنطقة والبيئة التي يتحرك فيها وحولها المشروع الإيراني؛ وذلك من خلال طرح أهم الأسئلة التي شغلت هذه البيئة طوال العقود الماضية وأقلقتها النهايات التي تسعى إليها إيران.
هذه الأسئلة تقوم على سياساتٍ وممارساتٍ وتصريحاتٍ إيرانية مباشرة، بعضها مسؤول حكوميًّا ويمثل الرأي الرسمي لإيران، وبعضها الآخر غير مباشر دأبت عليه واجهاتٌ تعمل باسم إيران وتلتزم رؤيتها كمركز روحي وعقائدي.
ولغرض تجاوز الجدل الذي يسود حول "الانتصار"، سنفترض أن كل ما يقوله الإيرانيون عن الهدنة صحيح، وأن كل ما يقوله الآخرون كذب، وأن المكاسب الإيرانية التي يجري الحديث عنها سيقرّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويوافق عليها الكونغرس الأميركي، وستُثبّت في قرار يصدره مجلس الأمن الدولي، أي أن "انتصار إيران" سيكون ناصعًا برّاقًا ولا تشوبه شائبة.
في هذه الحالة الافتراضية تبرز أمام القلقين من الدور الإيراني أسئلةٌ تحتاج إلى إجابات:
كيف ستتصرف إيران المنتصرة مع شعوب المنطقة ودولها الوطنية، خصوصًا تلك التي تقع تحت هيمنة ميليشياتها ومهدّدةً بسلاحها واستهتارها بكيانية الدولة والوطن؟ فهل ستراجع إيران سياساتها الإقليمية إزاء الشعوب العربية، فضلًا عن الداخلية إزاء شعوبها؟
هل ستراجع إيران علاقاتها مع العرب الشيعة غير الموالين، أو بعبارة أصح غير الملتزمين "ولاية الفقيه"، وتحترم انتماءاتهم والتزاماتهم ومشاعرهم الوطنية؟
هل ستصحح إيران سياساتها مع العرب السنّة، ولا تكتفي بالتحالف مع الإخوان المسلمين؟
هل ستنظر إلى التنوع السياسي والديني والإثني في المنطقة كواقعٍ يجب أن يُحترم ويُصان، أم إن هذا التنوع سيبقى مهددًّا بـ"ولاية إيران" و"حاكمية الإخوان" وتفريخاتهم؟
هل ستتخلى عن استخدام "الدين كأداة ديبلوماسية" لتوسيع نفوذها وتوقف سياسة الاختراق المذهبي الناعم لبعض المجتمعات العربية، أم أنها ستتحول إلى الاختراق الصارخ مستفيدة من تعاطف جزءٍ كبيرٍ من الجمهور العربي معها بفعل تعطشه لأي "انتصار" أو مواجهة للتغوّل الصهيوني الأميركي؟

هل ستكف إيران وأتباعها عن تخوين كل من ينتقد سياستها أو يرفع صوته مطالبًا بحقوقه، حتى لو كانت تتعلق بالخدمات، فتصفه بالصهيوني أو "ابن سفارة"؟ هل ستكف عن إصدار فتاوى القتل؟ هل ستكف عن نشر كتب التشيّع التي تنال من الصحابة، فتنشر الفتنة؟ هل ستُبقي رعايتها لناشري الفتنة ممن يُسمَّون بـ"الشعراء الحسينيين"؟ هل ستتبع خطاب الوحدة والتآلف وإصلاح ذات البين أم ستستمر في خطاب المعايرة والتبخيس الذي تنال فيه من العرب؟ هل ستكفّ عن شعار "يا لثارات الحسين" وتقسيم المسلمين إلى معسكرين، معسكر الحسين ومعسكر يزيد؟ هل ستستمر في مصادرة الساحات الشيعية العربية بقوة السلاح والتهديد والإرهاب؟ هل ستزيل مرقد "أبي لؤلؤة المجوسي"، قاتل الخليفة عمر بن الخطّاب؟ هل ستمحو من كتبها الروايات الصفوية التي تذم كل البشر، باستثناء الشيعة، وترويها كذبًا عن آل البيت الأطهار في تناقض واضح مع سيرتهم وأخلاقهم؟ (الروايات مخجلة ولم أرد إيرادها هنا).
هل ستُقلع عن مبدأ "تصدير الثورة" الذي هو تصديرٌ للتشيّع بنسخته الصفوية ليس إلّا؟ هل ستكف عن لعبة التذاكي بتبني الميليشيات تارةً وبالتنصل منها تارةً أخرى؟ هل ستكف عن أطماعها في مكة وإدارة الكعبة وعن أطماعها المعلنة في البحرين والسواحل العربية للخليج كما نصت تصريحات مسؤوليها وتعرضها الخريطة المعلقة وراء منصة المتحدث باسم الخارجية الإيرانية؟ هل ستكف عن سياسة عزل العراق عمومًا والشيعة خصوصًا عن محيطهم العربي، وإقامة السدود بينهما؛ والتي لا تُفتح إلّا عبر القنوات الإيرانية أو بموافقتها؟ هل ستترك بغداد لأهلها العراقيين وتكف عن وصفها بـ"عاصمة الامبراطورية الفارسية"؟ هل ستتراجع عن اعتبار سوريا المحافظة الإيرانية الخامسة والعشرين كما قال يومًا أحد مسؤوليها؟ هل ستوقف التهديدات التي تطلقها ميليشياتها في العراق للمملكة الأردنية الهاشمية؟ هل ستعيد إلى اليمن وحدته؟ هل ستساهم في توحيد الصف الفلسطيني حول رؤية واقعية وتصطف إلى جانب المملكة العربية السعودية لتقوّي موقفها في رفض التطبيع وقيادة التحالف الدولي من أجل حل الدولتين، كخيارٍ يمكن تبنيه في الساحة الدولية، وذلك بعدما ثبت عجزها عن "تحرير فلسطين" بالصواريخ، فارتدّت لتحمي نفسها ونظامها؟
هل ستترك لبنان لأهله يقررون كيف يستعيدون أرضهم وحقوقهم؟ وهل ستشكل قوة دفعٍ إيجابية لمساعيهم، وهم يمتلكون نخبًا سياسية وديبلوماسية وثقافية واقتصادية مؤثرة، قادرة على قيادة ديبلوماسية وطنية فاعلة على المستوى الدولي، ويمكنها الانطلاق بقوة، لو أزيحت من طريقها الهيمنة والتهديدات الإيرانية، كما يمكنها أن تتعزز أكثر بالدعم العربي لو أزيلت من أمامه المعرقلات الإيرانية المناكفة لهذا الدور؟
هل ستكف ماكينتها الإعلامية عن الترويج بأن المقاومة فعل حصري لإيران وأتباعها، وهم وحدهم المقاومون أو النازعون إلى تحرير الأرض، وما البقية من العرب، بكل أطيافهم، سوى مستسلمين وخانعين، ليس إلّا؟
هذه بالطبع ليست كل الأسئلة، فقد تصورت ما يمكن أن يخطر منها في بال كل الفئات التي يقلقها المشروع الإيراني، لكنها كافية لنطرحها آملين أن نلقى إجاباتٍ مريحة لها، تدفعنا إلى التعاطي مع إيران وتاريخها، أو بالأحرى، تاريخنا المشترك معها بكل مطبّاته، بإيجابيةٍ تسهم في تخفيف حدة الصراع وتنهيه لصالح التعاون لتحرير الأرض واستعادة الحقوق والأمن والاستقرار والسير في طريق التنمية، وإشاعة المحبّة والسلام بين الشعوب.
* كاتب عراقي





