... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
122903 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9590 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

أرشيف "الكاسيت" السوري أو الحنين إلى أصوات المهمشين

العالم
مجلة المجلة
2026/04/07 - 08:27 502 مشاهدة
أرشيف "الكاسيت" السوري أو الحنين إلى أصوات المهمشين layout Tue, 04/07/2026 - 09:27
 Syrian Cassette Archive

ربما كان شريط "الكاسيت" الذي حمل صوت الشاعر الراحل ممدوح عدوان أثناء اجتماع وفد من اتحاد الكتاب العرب مع أعضاء "الجبهة الوطنية التقدمية" في دمشق عام 1979، من أشهر الأشرطة الممنوعة في سوريا حينذاك. في هذا الاجتماع العاصف قدم ممدوح عدوان شهادة مدتها 9 دقائق و35 ثانية، اتهم فيها الإعلام السوري بأنه يكذب حتى في نشرة أحوال الطقس، وأعداد مرضى الكوليرا، قبل أن يرشق السلطة بجملة اتهامات طاولت حزب البعث، وملفات الفساد، وهيمنة المخابرات على مقدرات البلاد، وامتيازات "سرايا الدفاع"، وزرع بذور الطائفية.

لا أحد يعلم كيف تسرب ذلك "الكاسيت" خارج قاعة الاجتماع، إلا أنه كان بمثابة بيان ثقافي شجاع جرى تداوله سرا، قبل أن يتاح على قناة "يوتيوب" أخيرا، فاتحا الباب أمام أشرطة أخرى بوصفها تعبيرا عن التطلعات المقموعة لجيل السبعينات والثمانينات من القرن الماضي مثل قصائد مظفر النواب، وأغاني الشيخ إمام، وأشرطة المغني الكردي شفان، وأعمال زياد الرحباني ، بعيدا من معايير وضوابط واشتراطات المؤسسة الرسمية.

على المقلب الآخر انتشر "الكاسيت" الشعبي بتسجيلات بدائية توثق حفلات أعراس محلية، وجلسات عتابا وسويحلي وموليا وفراقيات، في محاولات عسيرة للزج بثقافة الأطراف في صلب الذاكرة الجمعية للمركز، إذ كان "الكاسيت" هو بوصلة الأصوات المهمشة نحو الشهرة والانتشار، قبل أن يحل الأورغ بتنويعاته الموسيقية مكان الربابة والمجوز مطيحا النسخة الأصلية للنغم والصوت.

أرشفة أصوات الهامش

لفتت هذه الكنوز النفيسة من التراث اللامادي انتباه جيل الألفية الثالثة من باب النوستالجيا في المقام الأول، فسعى بعض المهتمين إلى محاولة أرشفة زمن "الكاسيت" رقميا، وذلك بقصد الحفاظ على هذا التراث المهمل من الضياع، فيما عبثت بعض الفرق الغنائية الشبابية بمحتوى هذه الأغاني والعمل على توزيعها موسيقيا بنفس جديد، إلا أن ما حصل هو تشويه الأصل بذريعة تطويره بما يستجيب لذائقة جيل اليوم.

بوصلة الأصوات المهمشة نحو الشهرة
23 مارس , 2026

احتل "الكاسيت" الفضاء المحلي أو المناطقي وذلك وفقا للخرائط التي رسمتها ذائقة باعة الأرصفة، وسائقي سيارات الأجرة، والكراجات، وأكشاك بيع الأشرطة

هكذا احتل "الكاسيت" الفضاء المحلي أو المناطقي نحو ثلاثة عقود كاملة، وذلك وفقا للخرائط التي رسمتها ذائقة باعة الأرصفة، وسائقي سيارات الأجرة، والكراجات، وأكشاك بيع الأشرطة. ستتمازج هنا الأدعية الدينية والابتهالات بعتابا مجروحة لمغن مغمور أو حفلة زفاف على سطح منزل في العشوائيات، من دون أن نهمل وقفات المغني أثناء وصلته لتوجيه التحية للعريس وبعض ضيوفه بوصفها تعبيرات وجدانية لأصوات الهامش التي طالما أهملتها السلطة والنخب الثقافية لمصلحة الغناء الراقي.

المغني السوري عمر سليمان يحيي حفلا خيريا لدعم ضحايا الحرب السورية خلال مهرجان ساوث باي ساوث ويست في أوستن، تكساس، 16 مارس 2013

في المقابل يصعب تجاهل الصعود الصاروخي لأشرطة المغني الشعبي عمر سليمان "الكيصر" بزيه البدوي ونظاراته السوداء كماركة مسجلة مجتازا حدود الجزيرة السورية نحو المسارح الأوروبية والأميركية بخلطة شعبية تمزج الدبكة الكردية بأغاني الأعراس الريفية، وفي المقابل لن نتجاهل بيع ملايين الأشرطة التي كرست صوت علي الديك بقوة دفع ذائقة شعبوية وسلطوية، وضعت أغاني الكراجات، وثقافة الكيتش بمقام موسيقى موزارت وفقا لرأي أحد مريدي هذا المغني، ثم ستكتسح سارية السواس الساحة كصوت أنثوي يصعب لجم أشواقه الحسية المثيرة، كما ستلقي فوضى الحرب وارتداداتها بثقلها على أصالة الغناء الشعبي، وفي زوال متاجر "الكاسيت" وانحسار حفلات الزفاف لمصلحة مجالس العزاء وأصوات القذائف والتهجير، ولم يعد مستغربا أن تجد مطربي الملاهي الليلية يغنون فوق خشبة مسرح دار الأوبرا.

انتصار ذائقة العسكر 

لا تكمن خصوصية شريط "الكاسيت" إذن، في محتواه فقط، إنما في المؤثرات البصرية للغلاف، واسم شركة التسجيلات المحلية، وتسريحة المغني، وصولا إلى ديباجة عريف الحفل في تقديم المطرب وفرقته الموسيقية بألقاب نارية من طراز مطرب العسكر ومطرب الدبكة والدلعونا، إلى أسماء مغمورة رسميا مثل كوثر منصور، وسناء الحسين، وسليمان الشعار، ومحمد صادق حديد، وفريحة العبد الله، وحسين الحسن، وعادل خضور، وحتى فؤاد فقرو. وهذا الأخير الذي سيعرف باسم فؤاد غازي (1955-2011) يستحق وقفة خاصة في تفكيك هذه الظاهرة، ذلك أن صعوده وأفوله يشبهان صورة الحقبة التي عبر عنها بامتياز.

متجر كاسيت في حماة، سوريا، 2006.

أتى المغني السوري الريفي من حفلات الأعراس أولا. مزيج من الغناء الجبلي والعتابا والمواويل، كمن يخلط الشنكليش بالمنسف، في تسجيلات بدائية، وجدت مناخها الحيوي في أكشاك بيع "الكاسيت"، عند أطراف كراجات الأرياف. ثم تسللت إلى الميكروباصات، قبل أن يحط المغني الشاب رحاله في ملاهي العاصمة صوتا قويا، وآسرا، يتواءم مع مزاج رواد الملاهي الليلية آنذاك، وهم طبقة من الأثرياء الجدد والعسكر الذين فرضوا حضورهم طبقة حاكمة، بدءا من منتصف سبعينات القرن الماضي، فكان هذا النوع من الغناء هو التعبير الأمثل عن أمزجتهم الموسيقية: حداثة مستعارة في نمط العيش، ومزاج ريفي يشبع سطوة الحنين إلى التشكلات الأولى التي انحدروا منها.

طوى فؤاد غازي الصفحة القديمة بكل مكابداتها، فغادر ملاهي الضواحي في الشوارع الخلفية، وبات النمرة الأقوى في برنامج "ملهى القصر"، أفخر نوادي العاصمة في تلك الحقبة. هناك اختلط بعلية القوم، وتعرف إلى من يدخله استديوهات إذاعة دمشق بتوصية من أحدهم. كانت أغنيته المشهورة "صف الفشك ضيعته" جواز مروره إلى أثير الإذاعة. الأغنية التي أتت من صخب تسجيلات حفلات الأعراس، خضعت هي الأخرى لعمليات تقنية صارمة، تواكب متطلبات العتبة الجديدة، لكن الأغنية التي أطلقت شهرته، على نطاق واسع، هي "لزرعلك بستان ورود" التي كتب كلماتها حسان يوسف (ضابط في سرايا الدفاع)، ولحنها عبد الفتاح سكر، الملحن الذي أطلق أبرز الأصوات الغنائية في سوريا مثل فهد بلان ودياب مشهور.

هكذا غزا فؤاد غازي ساحة الطرب الشعبي طوال حقبة الثمانينات العاصفة، لينخرط في حياة ليلية صاخبة، استيقظ منها على عقاب قاس

هكذا غزا فؤاد غازي ساحة الطرب الشعبي طوال حقبة الثمانينات العاصفة، لينخرط في حياة ليلية صاخبة، استيقظ منها على عقاب قاس، بالنسبة إلى مطرب: سرطان في الحنجرة. من هذه الزاوية تحديدا، التقط المخرج أسامة محمد بورتريها خاصا وعنيفا عن فؤاد غازي، في شريطه السينمائي الاستثنائي "نجوم النهار" (1988) ليختزل صورة البلاد وعنف اللحظة. انكفأ صاحب "تعب المشوار" وغاب عن الساحة، في الفترة نفسها التي انسحبت فيها الطبقة التي واكبت حنجرته، لكن أغانيه بقيت أفضل تعبير عن الأغنية السورية، في أوج ازدهارها، قبل أن تحتضر تماما مع غياب أبرز أصواتها.

خرائط الموسيقى المحلية

 في إطلالة على موقع "أرشيف الشرائط السورية" الذي أطلقته مجموعة من الشباب المتحمسين، نتعرف الى محتوى 1500 شريط تشكل خريطة أولية لأنماط الموسيقى المحلية، والتسجيلات النادرة التي تؤرخ للحظات استثنائية في محاولة للملمة جراح تضاريس البلاد موسيقيا وبحثيا. بزغت الفكرة أولا على يد شاب أميركي من أصول عراقية هو مارك جرجس أثناء وجوده في دمشق، إذ جذبته الأغاني الشعبية المنبعثة من الأماكن التي زارها فاقتنى مئات الأشرطة منها. لاحقا التقى الموسيقي السوري يامن مقداد الذي تحمس للفكرة فعملا معا على توثيق هذه التسجيلات ورقمنتها. لا تتوقف أهمية هذا المحتوى على الأغاني فقط، إنما العناية بالجانب البحثي للحياة اليومية والوجدان الشعبي وفسيفساء الأصوات السورية التي أهملها الأرشيف الرسمي.

تشير الباحثة كريستينا حزبون إلى خصوصية الاغنية السريانية/ الآشورية في شمال شرق سوريا (القامشلي) وكيف حفظتها أشرطة الكاسيت من الضياع، بأصوات محلية، ثم خروجها من جدران الكنيسة وأجواء التراتيل إلى الشارع وحفلات الأفراح، وقد عمل الموسيقيون السريان والأرمن والكرد على مزج هذا التراث المختلط بأغنية تخاطب آلامهم الجمعية في الحب والفقدان والاغتراب بأكثر من لغة، كما عمل الموسيقي نوري إسكندر على تدوين التراث السماعي للموسيقى السريانية القديمة، وتاليا "لم يكن الكاسيت مجرد وسيط صوتي، بل وسيلة لحفظ اللغة، وأداة لترسيخ الهوية الثقافية في مواجهة التهجير والنسيان، وكل ما يتعلق بالعاطفة والحنين والذاكرة الجماعية بعيدا من احتكار السلطة والكنيسة"، كما تقول.

العتابا والموليا والهجرة المعاكسة

 لعب "الكاسيت" دورا حيويا في حفظ التراث الشفوي في الجزيرة والفرات والبادية من خطر الاندثار بتسجيلات نادرة للعتابا والسويحلي والنايل والفراقيات والغناء الريفي، وذلك بخريطة مفتوحة على البادية ذهابا وإيابا، حيث عمل "الشعار" على نقل العتب ووجع الفراق والهجاء على أنغام الربابة من مكان إلى آخر، وإذا بهذه الأنماط تلتقي وتفترق مع التراث العراقي تبعا لتعرجات مجرى نهر الفرات، وامتداد البادية، مما أتاح لهذا الموروث أن يخرج من المناطقية الضيقة والمغلقة إلى فضاءات أرحب، وكأن السلم الموسيقي الشعبي لن يكتمل بدون وجع العتابا والغناء الفراتي والأغاني البدوية.

كشك كاسيت في دمشق، 1997.

لعل هذا المزاج السمعي ما وضع أشرطة أغاني سميرة توفيق في مكانة عالية بالنسبة إلى أهالي المنطقة، كأنها ولدت في مضارب البدو، خصوصا بعدما غنت "مندل يا كريم الغربي"، و"يا عين موليتين"، ولن يخلو متجر لـ"الكاسيت" من أغاني العراقيين إياس خضر وحسين نعمة وفؤاد سالم وآخرين، نظرا لتقارب اللهجة والشجن والفولكلور.

لعل هذا المزاج السمعي ما وضع أشرطة أغاني سميرة توفيق في مكانة عالية بالنسبة إلى أهالي المنطقة، كأنها ولدت في مضارب البدو

ما أن ننحدر جنوبا نحو حوران، حتى تنأى أنغام الربابة لمصلحة المجوز، يختلف إيقاع الدبكة عن سواها تبعا لتضاريس المكان، فيما تصدرت أشرطة احمد القسيم المسجلة محليا الأغنية الحورانية وترويجها إلى خارج جغرافيتها الضيقة.

متجر كاسيت في حماة، سوريا، 2006.

لكن مغامرته الكبرى تمثلت باقتحام أسوار أغنية فيروز "حبيت ما حبيت ما شاورت حالي" وسحب البساط من أجواء البيانو إلى الإيقاع الحوراني الصاخب كأقصى حالات التجريب الموسيقي الى درجة أن ملحن الاغنية زياد الرحباني أثنى على هذه المغامرة الشجاعة في خلخلة النص الأصلي ووضعه في مقام موسيقي آخر. ولكن مهلا، أين الدراسات الثقافية التي تواكب زمن "الكاسيت" وتفكيك محتواه سيسيولوجيا؟ فالأرشفة وحدها لا تكفي لقراءة هذا المحتوى، رغم غناها كمادة خام. 

07 أبريل , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤