لا يعني ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي بالضرورة تحسناً فورياً في حياة المواطنين، فالفارق كبير بين توسع الناتج المحلي وتحسن الدخل الحقيقي. هذا ما أكده الخبير الاقتصادي د. رازي محي الدين، الذي يرى في حديثه لـ”الوطن” أن الاقتصاد السوري يقف في مرحلة انتقالية تتداخل فيها مؤشرات التعافي مع ضغوط تضخمية لا تزال تؤثر في القوة الشرائية، مشدداً على أن التحدي الأساسي لا يكمن في تحقيق نمو رقمي فقط، بل في بناء نمو منتج ومستدام قادر على خلق فرص العمل وزيادة الدخول.
ويشير محي الدين إلى أن الاقتصاد يمكن أن يسجل نمواً في الناتج المحلي بينما تستمر الضغوط على المواطنين، موضحاً أن “نمو الناتج المحلي لا يعني بالضرورة تحسن الدخل الحقيقي”، إذ يتزامن التعافي الجزئي للنشاط الاقتصادي مع ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة زيادة أسعار الطاقة والوقود والكهرباء والرسوم الجمركية، الأمر الذي ينعكس على الأسعار ويضغط على القدرة الشرائية.
ويؤكد أن قراءة الأداء الاقتصادي تتطلب التمييز بين النمو الاسمي والنمو الحقيقي، وبين ارتفاع حجم النشاط الاقتصادي وتحسن مستوى الرفاه، لأن المعيار النهائي يبقى قدرة الاقتصاد على رفع الإنتاجية وتحسين دخول المواطنين.
من الاستهلاك إلى الإنتاج.. اقتصاد في مرحلة انتقالية
وحول طبيعة النمو الحالي، يرى محي الدين أن الاقتصاد السوري يشهد نمواً مختلطاً، لكنه بدأ يميل تدريجياً نحو المكون الإنتاجي، مع دخول استثمارات في قطاعات الإسمنت والسيراميك ومجابل البيتون والتطوير العقاري والسياحة، إضافة إلى توسع آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجالات التجارة والخدمات والتوزيع والتقنية.
ويعتبر أن هذه المؤشرات تعكس عودة تدريجية لتكوين رأس المال ونشاط القطاع الخاص، لكنها لا تزال ضمن مرحلة انتقالية، إذ لم يتحول الاقتصاد بعد إلى نموذج إنتاجي متكامل، خصوصاً في ظل محدودية الصادرات وارتفاع المخاطر التي تواجه الشركات الجديدة، ما قد يؤدي إلى خروج عدد من المشاريع من السوق خلال العامين المقبلين إذا لم تتحسن بيئة الأعمال.
تكلفة الإنتاج.. العقبة الأكبر أمام النمو المستدام
ويرى محي الدين أن التحدي الأساسي أمام الاقتصاد السوري يتمثل في ارتفاع تكلفة ممارسة الأعمال وضعف القدرة التنافسية، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والرسوم الجمركية، وخاصة على المواد نصف المصنعة والمدخلات الأولية، يرفع تكلفة الإنتاج ويضعف قدرة الشركات على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ويحذر من أن زيادة الرسوم الجمركية قد تؤدي، وفق مبدأ المعاملة بالمثل، إلى فرض قيود إضافية على المنتجات السورية في الأسواق الخارجية، موضحاً أن الحماية الجمركية المرتفعة قد تمنح بعض الصناعات حماية مؤقتة، لكنها تصبح عائقاً إذا تحولت إلى سياسة دائمة تعيق انتقال الصناعة المحلية نحو التنافسية والتصدير وجذب الاستثمار.
ويضيف: إن بعض الصناعات تواجه تحدياً مزدوجاً، إذ تعاني من ارتفاع تكاليف الوقود، في الوقت الذي قد تكون فيه المنتجات النهائية المستوردة أقل تكلفة بسبب انخفاض الرسوم عليها، ما يضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
متى يشعر المواطن بأثر النمو؟
يربط محي الدين انتقال النمو إلى المواطن بقدرة الاقتصاد على زيادة الاستثمار الإنتاجي، مؤكداً أن الاستثمار الخاص هو القناة الرئيسية لخلق الوظائف ورفع الدخول، لكن تأثيره يحتاج إلى وقت حتى يظهر من خلال تراكم رأس المال وارتفاع الإنتاجية وزيادة الطلب على العمالة الماهرة.
ويشير إلى أن المؤشر الأهم ليس عدد المشاريع الجديدة فقط، وإنما قدرتها على خلق قيمة مضافة، والتوسع، ودخول الأسواق الخارجية، وإعادة استثمار الأرباح داخل الاقتصاد.
النمو المرتفع.. فرصة تحتاج إلى شروط
وحول توقعات النمو المرتفعة، يرى محي الدين أن هناك مبررات موضوعية للتفاؤل، في ظل فرص إعادة الإعمار، وتشغيل الطاقات الإنتاجية المعطلة، ودخول استثمارات جديدة، لكنه يؤكد أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة بصورة مستدامة يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الاستقرار التشريعي والنقدي، وتوفير التمويل الاستثماري، وتأمين الطاقة بتكلفة تنافسية، وتحسين البنية التحتية، وتوسيع الأسواق أمام المنتج السوري.
ويشدد على أن تقييم الاقتصاد يجب ألا يعتمد على نسبة النمو فقط، بل على نوعية هذا النمو ومدى قدرته على الاستمرار وتحويله إلى إنتاج وفرص عمل ودخل حقيقي.
التعافي الحقيقي..؟
حسب محي الدين، فإن التعافي الاقتصادي الحقيقي يجب أن يظهر في مؤشرات يلمسها المواطن مباشرة، أبرزها انخفاض التضخم، واستقرار القوة الشرائية، وارتفاع فرص العمل والدخل الحقيقي، وتحسن الخدمات والطاقة، وزيادة توافر السلع والخدمات بجودة وأسعار تنافسية.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فيرى أن التعافي يجب أن ينعكس في ارتفاع مستدام للاستثمار والإنتاجية والصادرات، وليس فقط في توسع الاستهلاك.
مفتاح التحول الاقتصادي!
ويؤكد محي الدين أن الاستثمار الخاص يمثل العامل الحاسم لتحويل النمو إلى إنتاج وفرص عمل، مشيراً إلى أن دور الدولة يتمثل في بناء بيئة اقتصادية تجعل رأس المال أكثر استعداداً للاستثمار طويل الأجل.
ويلفت إلى وجود مؤشرات إيجابية تتمثل بدخول مشاريع صناعية وسياحية وعقارية وخدمية، إضافة إلى مئات وآلاف المبادرات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن توسع هذه المشاريع ما يزال مرتبطاً بمعالجة تحديات عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة والرسوم، وضعف التمويل، ومحدودية القدرة التصديرية، والبيروقراطية، والحاجة إلى وضوح واستقرار تشريعي أكبر، إضافة إلى صغر حجم السوق المحلية.
ويختم محي الدين بالتأكيد أن الأولوية الاقتصادية لا تتمثل في زيادة الحماية، وإنما في خفض تكلفة الإنتاج ورفع الإنتاجية وتوسيع الأسواق، لأن المستثمر القادر على إنتاج سلعة تنافسية داخل سوريا وتصديرها هو الذي سيصنع نمواً مستداماً، بينما يبقى النمو القائم على سوق محلية محمية محدود القدرة على رفع الدخول وتحقيق التعافي الاقتصادي.





