تعقيباً على رد وزارة الشباب؛
تناقض وغياب واضح لأسس الإحالة إلى التقاعد المبكر
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية الحقوقي/ موسى الصبيحي
يُظهر الرد الصادر عن وزارة الشباب عما كتبته بشأن إحالة الموظف المدير ( ح. د ) إلى التقاعد المبكر تناقضاً قانونياً وإدارياً واضحاً يُفند أي استناد إلى تقييمات وإجراءات موضوعية عادلة، ويثير علامات استفهام حول مدى غياب الأسس والمعايير الشفافة والموضوعية في اتخاذ مثل هذه القرارات بحق الموظفين.
ومن أهم ما لفتني في رد الوزارة ما يلي:
أولاً: التناقض بين تقييم “ممتاز” والادعاء بالتقصير الفني:
لا أدري كيف يُعقل لموظف حصل على تقييم سنوي بدرجة “ممتاز” لآخر سنتين أن تتهمه الوزارة بالتقصير الفني أو الإخفاق في أداء مهامه؟!
وإذا كان التقييم السنوي يتم بناءً على تقارير رؤسائه المباشرين، ويُعتمد رسمياً وفق نظام إدارة الموارد البشرية، فأين يكمن الخلل؟
إما أن تقييم “ممتاز” كان شكلياً وغير حقيقي (وهذا يُدين الوزارة وإدارتها لعدم كفاءة أدوات التقييم لديهما أو عدم موضوعية المُقيِّم “بكسر الياء”)، وإما أن التقييم صحيح والادعاء بالتقصير ما هو إلا “مبرر مُستحدث” أو “شمّاعة” يُعلًق عليها القرار كذريعة للإحالة إلى التقاعد المبكر.
ثانياً: الخلط الواضح بين المسؤوليات الإدارية والعقوبات التأديبية:
إذا كانت الوزارة تتحدث عن حدوث “اختراق إلكتروني” أو “تسريب معلومات”، ولا أدري معلومات ماذا هذه التي تحمل طابع السريّة وتم تسريبها، أو ما تقوله بعدم تحقيق نتائج في نظام البصمة، فإن الأصول القانونية تقتضي تحويل الموظف إلى لجان تحقيق رسمية وحيادية لمساءلته وتحديد المسؤوليات بدقة، وفي حال ثبوت المخالفة تُتخذ بحقه العقوبات التأديبية المدرجة في القانون أو في نظام الموارد البشرية، وليس الإلتفاف بإنهاء خدماته وإحالته إلى “التقاعد المبكر”، ذلك أن التقاعد المبكر هو خيار للموظف، ولا يُفرض عليه “كعقوبة ” عند وقوع أخطاء تقنية قد تتشارك فيها، إن ثبتت، إدارة تكنولوجيا المعلومات وموارد الوزارة بأكملها.
ثالثاً: غياب المعايير والأسس الشفافة:
تقول الوزارة بأن القرار جاء بعد “دراسة وضعه الوظيفي واستناداً إلى النظام الداخلي”، لكنها لم تجب على السؤال الجوهري: ما هي الأسس العامة والموضوعية والعادلة والشفافة المعتمدة لدى الوزارة عند اتخاذ قرار الإحالة للتقاعد المبكر لمن لم يبلغ السن القانونية للتقاعد (60 للرجال و 55 للإناث).؟!؟
أعتقد أن ترك الأمر لمفهوم المعطيات والتقديرات الداخلية دون ضوابط حقيقية مسألة من شأنها أن تعزز أجواء المزاجية والاجتهاد والشخصنة، بما يهدّد الأمن الوظيفي لأي موظف عام، وهذا الأمر لا يقتصر على وزارة الشباب وحدها، بل ينسحب على جميع الوزارات ومؤسسات القطاع العام.
بناءً على ما سبق، أرى أن ردّ الوزارة يحمل إدانته في طياته، إذ لا يمكن أن يستقيم منح الموظف ( ح. د ) أعلى درجات التقييم “درجة الممتاز” مع اتهامه بالتقصير الفني واتخاذ ذلك ذريعة لقرار إنهاء خدماته وإحالته إلى التقاعد المبكر بهذه السهولة.!!!
من هنا أيضاً، فإنني أجدّد التأكيد على أن الإدارة الرشيدة تتطلب معايير معلنة، واضحة، وعادلة، تعتمد على الحوكمة والنزاهة والتقييم الشفاف، لتكون هي الأساس الذي تستتد إليه عند اتخاذها لمثل هذه القرارات المصيرية بحق الموظف العام بعيداً عن التناقضات والتبريرات غير المقنعة كتلك التي ساقتها الوزارة في ردّها.
انا هنا لا أدافع عن موظف بعينه بقدر ما أدافع عن مبدأ العدالة والإنصاف والشفافية وحق الموظف العام بمعرفة الأسباب الحقيقية للتعامل معه على هذا الأساس وأن يعرف لماذا أُنهيت خدماته وأُجبِر على التقاعد المبكر؟!
التقاعد المبكر الإجباري لا نعاقب به الموظف فحسب، بل نعاقب به أسرته أيضاً، وفوق هذا وذاك نلحق الأذى بالضمان ما يؤدّي للإخلال بنظامه التأميني ومركزه المالي، وتهديد مستقبل الحماية الاجتماعية للأجيال.
هذا المحتوى الصبيحي يرد على وزارة الشباب .. تناقض وغياب واضح لأسس الإحالة إلى التقاعد المبكر ظهر أولاً في سواليف.



