... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
176987 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8843 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الوردُ الذي يعزفُ على سفوحِ الجبلِ الأخضر

العالم
صحيفة الصحوة العمانية
2026/04/14 - 10:33 501 مشاهدة

الصحوة : علي الحداد

في الجبلِ الأخضر، حيثُ تتكئُ الغيومُ على أكتافِ الصخر، وفي حضنِ الحجرِ العتيق حيثُ تتكئُ الجبالُ على ذاكرةِ الزمن، يبدأُ موسمٌ لا يشبهُ سواه .. لا بوصفهِ فصلًا، بل انكشافًا للجمال، كقصيدةٍ كُتبتْ من نورٍ وتراب، ومن عطرٍ تسرّب من قلبِ الربيع، واستقرّ في ثنايا الأرض حتى آن له أن يُفصح.

هنا، لا تبدو الطبيعةُ كما في سائر الأمكنة، فهي تُرى وتُحسّ وتُصغي في آنٍ واحد. كأنّ الجبلَ يُرتّل ذاته بهدوءٍ عميق، وكلُّ صخرةٍ فيه تحفظُ سطرًا من حكايةٍ طويلة، كُتبت على مهل، وتوارثتها الأجيال كما يُتوارثُ النور.

من منتصفِ مارس، حينُ يلينُ البردُ ويتركُ للدفءِ أن يتسرّب برفق، وحتى أواخرِ أبريل حيثُ تنضجُ الحكايةُ وتكتملُ صورتها، تتفتحُ آلافُ الورودِ الدمشقية، كأنها نبضٌ ورديٌّ يسري في جسدِ الجبل.

هناك، في العين، والشريجة، وسيق، ووادي بني حبيب، تُزرعُ الأزمنة بقدر ما تُزرعُ الشجيرات. كلُّ جذعٍ يحملُ أثرَ يدٍ مضت، وكلُّ غصنٍ يمتدُّ نحو مستقبلٍ يُعادُ تشكيله بالعناية ذاتها. تنسابُ مياهُ الأفلاج بين المدرجات كشريانٍ خفيٍّ يربطُ الماضي بالحاضر، ويمنحُ الأرضَ ذاكرةً سائلة لا تنضب.

الوردُ هنا لا يتفتحُ دفعةً واحدة، بل يتأنّى، كأنّه يعرفُ أن الجمالَ الذي يولدُ على عجل، يمضي على عجل. فينمو ببطء، ويتكاملُ بصمت، ويُطلقُ عبيره تدريجيًا حتى يملأ المكان. وحين يكتمل، لا يلفتُ النظر بقدر ما يستقرُّ في القلب،
ويمنحُ البصيرةَ اتساعًا، ويتركُ أثرَه في الذاكرة.

ومع خيوطِ الفجر الأولى، حينُ يكونُ الضوءُ طريًّا، تبدأُ الحكايةُ الأجمل، يخرجُ الأهالي إلى الحقول بخطى هادئة، ينحنون على الزهر برفقٍ يشبهُ الصلاة، يلامسونَ الندى كأنهم يخشونَ أن يوقظوه، ويقطفونَ الورود كما تُلتقطُ الذكريات .. بحذرٍ وامتنان.

في تلك اللحظات، يصبحُ الصمتُ لغة، وتغدو الحركةُ إيقاعًا خفيًا. لا يُسمعُ إلا همسُ الخطى وارتجافُ الأوراق، وكأنّ المكان قد أفسح لهذا الطقس حضوره الكامل.

ثم تمضي الأزهارُ في رحلتها الأخرى .. رحلة التحوّل إلى جوهر. في الدهجان، حيثُ تتعانقُ النارُ مع الفخار، تبدأُ الحكايةُ الثانية.

تُصفُّ الورودُ في الأواني كأنها تُهيّأ لعبورٍ هادئ، ترتفعُ الأبخرة، تتكثّف، وتهبط ماءً نقيًا يحملُ خلاصة العطر. تمتدُّ العملية ثلاثَ إلى أربعِ ساعات، تُراقَبُ خلالها القطراتُ كما تُراقَبُ لحظاتُ الاكتمال.

وحين تولدُ أولُ قطرة، تُحفَظ لتكملَ رحلتها نحو النضج، حيث تمكثُ ما بين ثلاثين إلى أربعين يومًا، يزدادُ فيها صفاؤها وعمقها. ثم تخرجُ إلى الحياة حضورًا يُضاف إلى القهوة فيمنحها دفئًا وهيبة، وإلى الحلوى فيكسوها نعومةً وسحرًا، وإلى الروح فيتركُ فيها أثرًا لا يُفسَّر.

وعلى امتدادِ الطرقِ المتعرجة، حيثُ تتلوى المسافاتُ كأغنيةٍ جبلية، يأتي الزائرُ ليذوبَ في المشهد. في كلِّ منعطفٍ تنكشفُ طبقةٌ جديدةٌ من الدهشة، كأنّ الجبلَ لا يمنحُ نفسهُ دفعةً واحدة، بل يُقدّمها على مهل.

وحين يُقبلُ المساء، تتوزعُ الإقامةُ بين رفاهيةٍ تُطلُّ على السحاب، وبساطةٍ تُشبهُ دفءَ البيوت الأولى. في المنتجعات وبيوتِ الضيافة، تتجلّى الضيافة العُمانية بصدقها، حيثُ الكرمُ امتدادٌ طبيعي لروح المكان.

ويمتدُّ أثر هذا الموسم إلى ما هو أبعد من الجمال، إذ يشكّل موردًا اقتصاديًا مهمًا للأهالي، تتفرّعُ منه صناعاتٌ متعددة، من ماء الورد إلى الزيوت والعطور، في مشهدٍ يربطُ التراث بالحياة اليومية.

تُصان هذه الحكاية بعنايةٍ مستمرة، ليبقى هذا الإرث حيًّا ومتجددًا، قادرًا على الاستمرار دون أن يفقد صفاءه.

وفي الجبلِ الأخضر، لا يُحصدُ الوردُ وحده ..
تُحصدُ معهُ لحظاتٌ نادرة، تُخزَّن في القلب، وتبقى أطول من أيِّ ذكرى.

لا بالحبر .. بل بالورد،
ولا بالكلمات .. بل بالعطر.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤