ليست فلسطين قضية جغرافية، ولا مجرد ملف حقوقي مؤجل على أرفف أروقة الأمم المتحدة، بل هي بوصلة هذا الشرق ومحوره الأخلاقي والاستراتيجي. وكما علّمتنا قراءة التاريخ السياسي لمنطقتنا، فان كل محاولة لتجاوز المركزية الفلسطينية أو الالتفاف عليها لم تنتج سوى المزيد من التشتت والارتباك الإقليمي. لقد تهنا في التفاصيل و نسينا الاصل. و نجد انفسنا اليوم نمر بلحظة تاريخية بالغة الحساسية، تنكشف فيها الأوهام السياسية وتترسخ فيها حقيقة واحدة، لا خروج للمنطقة العربية من عنق الزجاجة، ولا استقرار يُبنى، إلا بإعادة ضبط البوصلة السياسية نحو فلسطين. استراتيجياً، ليست فلسطين فرعاً من شجرة الأزمات الشرق أوسطية، بل هي الجذر الذي تتغذى منه كل التفاعلات الأمنية والسياسية والاجتماعية في المنطقة. ومن يقرأ التاريخ الجيوسياسي بوعي يُدرك أن كافة الأزمات الممتدة من الاستقطابات الطائفية و المذهبية و العرقية، التي ادت إلى تراجع التنمية واهتزاز الأمن القومي العربي، كانت في جوهرها نتائج مباشرة لغياب الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية. الوقائع والشواهد عبر العقود الماضية تؤكد هذه الحقيقة البنيوية. فكلما ساد وهم إمكانية بناء نظام إقليمي مستقر بمعزل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أثبتت التطورات الميدانية أن هذا الاستقرار ليس سوى هدنة هشّة. إن استمرار الاحتلال واحتكار القوة لا يخلقان سلاماً، بل يراكمان الغضب ويولدان أنماطاً جديدة من المواجهة. وبالتالي، فإن القناعة بأن حسم ملف فلسطين سيفكك أعقد عقد المنطقة ليست مجرد انحياز عاطفي، بل هي استنتاج واقعي، فمتى ما حُلّ الأصل، تداعت له كافة الفروع تلقائياً. غير أن إعادة البوصلة تتطلب أدوات عمل جديدة. إذ لا يمكن مواجهة التحديات الراهنة بالآليات القديمة ذاتها. تقتضي المصالح الوطنية والقومية اليوم بلورة مشروع وطني فلسطيني متجدد. مشروع يُعيد ترتيب البيت الفلسطيني على أسس من الشفافية، والشراكة، والفاعلية المؤسسية، ويستوعب كافة الطاقات الوطنية في الداخل والشتات. لكن هذا المشروع لا يمكنه الصمود والتحقق في الفراغ، فهو بحاجة ماسة إلى عمق عربي واع و يقظ. دعم الدول العربية لهذا المشروع المتجدد هو ضرورة حتمية لحماية الأمن القومي العربي ذاته. إن وجود مشروع فلسطيني موحد، مدعوم برؤية عربية متماسكة، هو السبيل الوحيد لإعادة امتلاك المبادرة وتشكيل قوة ضاغطة لانهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة و المستدامة. إن أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو أمنية تُطرح اليوم تحت مسمى حلول دون أن تستند إلى التفكيك الكامل لجوهر الأزمة وهو الاحتلال وغياب الدولة، هي ترتيبات مؤقتة بامتياز. إنها بمثابة المسكنات لجرح غائر يحتاج إلى جراحة جذرية. تُعلمنا التجربة أن التهدئة المؤقتة والحلول الإجرائية القائمة على إدارة الأزمة بدلاً من حلها لا تصنع مستقبلاً، بل تؤجل الانفجار القادم وتزيد من كلفته البشرية والإستراتيجية. إن النهج العقلاني الذي يفرضه المنطق التاريخي يتطلب الشجاعة السياسية للانتقال من إدارة الصراع إلى أنهائه. إن الخروج من حالة التردي العربي والاستعصاء الإقليمي ليس خياراً مستحيلاً، بل يمرّ عبر بوابة واحدة معلومة. لقد حان وقت الصوت بوضوح: إلى فلسطين.. دُر! فحين تستعيد البوصلة اتجاهها الصحيح، ويُبنى المشروع الوطني الفلسطيني الجامع بدعم عربي متين، ستبدأ المنطقة بأكملها خطواتها الأولى نحو عصر جديد من الاستقرار والتنمية الشاملة.
المحامي معن عبد اللطيف العواملة : إلى فلسطين.. دُر
•ليست فلسطين قضية جغرافية، ولا مجرد ملف حقوقي مؤجل على أرفف أروقة الأمم المتحدة، بل هي بوصلة هذا الشرق ومحوره الأخلاقي والاستراتيجي.
•وكما علّمتنا قراءة التاريخ السياسي لمنطقتنا، فان كل محاولة لتجاوز المركزية الفلسطينية أو الالتفاف عليها لم تنتج سوى المزيد من التشتت والارتباك الإقليمي.
•لقد تهنا في التفاصيل و نسينا الاصل.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

