وبكيفية مماثلة، على خلفية معارضته للمقاربة السارترية للأدب، طور بلانشو مقاربته للأدب، وخاصة في مقاله المهم "الأدب والحق في الموت"، الذي نشره في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 ويناير/كانون الثاني 1948، بعد بضعة أشهر من نشر "ما الأدب؟" في "الأزمنة الحديثة".
العزلة عن الذات
للوهلة الأولى، يبدو أن الكاتب عند بلانشو هو من ينسحب من العالم، وينعزل عن الآخرين ليكتب. لكن العزلة التي تهم بلانشو هي العزلة عن الذات. الكاتب ينعزل عن نفسه قبل أن ينعزل عن الآخرين، يختفي في الكتابة، يدخل في العزلة الجوهرية، يصل إلى اللاتحديد، واللاشخصي. هذا الدخول في اللاشخصي عبر الكتابة هو ما يسميه بلانشو الانتقال من "الأنا" إلى الـ"هو"، والذي يشهد له كافكا في يومياته كونه أصلَ كل أدب. الكاتب هو من فقد القدرة على قول "أنا"، هو من لم يعد أحدا: "الكتابة ليست أبدا قدرة تحت تصرف المرء". بالمعنى الدقيق، الكاتب لا يكتب، بل "يُكتَب"، يُكتب من خلاله. الكاتب ليس أبدا صاحب المبادرة في الكتابة بل يجد نفسه في كل مرة وكأنه مفتون بحركتها. ولأن الكاتب ليس أبدا أصل الكلام، فهذا الكلام لم يبدأ معه، بل سبقه دائما. إنه قديم بشكل مخيف، بل إنه لم يبدأ أبدا، إنه سابق للذاكرة: "يُتكلم، دون بداية". إذن، الكتابة هي أن تصبح شاهدا على الماضي السابق للذاكرة.

في ما يتعلق بالكتابة، كل شيء عند سارتر يعارض بلانشو. فهو ينظر إليها ليس كسلبية لاشخصية، بل كنتيجة لـ"قرار"، أي لحرية ("أنا كاتب أولا بمشروعي الحر في الكتابة")، حرية ذات طابع شخصي، ولذلك يمكن سارتر أن يذهب إلى حد التأكيد أن وظيفة الكتابة هي كشف العالم، وليس انتزاعنا منه. فضلا عن ذلك، كلام الكاتب هو كلامه حقا، وعندما يخاطب قراء، فهو يخاطب حريتهم كفاعلين في العالم، في الزمن والتاريخ، ليبين لهم مسؤوليتهم، أي مجال إمكاناتهم. إذن، الكاتب ملتزم بالضرورة، بدل أن يكون منفصلا عن العالم. إنه مسؤول بشكل أساس، بدل أن يكون مأخوذا بإلهام لا أحد مسؤول عنه.
سارتر أيضا يستشهد بكافكا الذي هو مؤلف أساس في فكر بلانشو، لكن، ليقدم عنه تفسيرا معاكسا بصفة جذرية: فحيث يرى فيه بلانشو كاتبا للقطيعة مع العالم، يراه سارتر كاتبا للتاريخ استطاع أن يصور حقيقة مجتمع وعصر. عمَل بلانشو، إذن، لا يمكن أن يكون أكثر من مفارقة تاريخية في 1947، بينما عالم سارتر بحاجة إلى أدب ملتزم، محدد الموقع، تاريخي، اجتماعي، سياسي، يقدم حقيقة المجتمع لهذا المجتمع نفسه.
ثورية الأدب
ومع ذلك، فهذا لا يمنعنا من أن نقول إن بلانشو كان كاتبا ملتزما، منخرطا في جميع نضالات عصره. فالانفصال إلى ما وراء العالم ليس بالنسبة إليه انفصالا عن الالتزام. بل على العكس تماما، في هذه القطيعة مع العالم، مع المجتمع والتاريخ، يكمن الفعل الثوري الحقيقي للأدب. الكاتب ثوري لأنه يجعل ما يتسبب بالفضيحة مرئيا، وهكذا فالماركي دو ساد هو الكاتب بامتياز في عين بلانشو، إنه ملتزم بالمعنى الدقيق للكلمة.

لم يخص بلانشو القراءة بمثل ما خص به الكتابة. فالصفحات التي خصصها للقراءة في كتاباته النظرية نادرة جدا قياسا إلى ما خصصه للكتابة. ومع ذلك، فهي ليست أقل أهمية، والمقالان اللذان نُشرا في مايو/ أيار وديسمبر/ كانون الأول 1953 في "المجلة الفرنسية الجديدة" بعنوان "القراءة" و"التواصل"، واللذان أعيد نشرهما في كتاب "الفضاء الأدبي"، يشكلان تفكيرا في معنى القراءة عندما يتعلق الأمر بقراءة عمل أدبي، وذلك في حوار ضمني مع مفهوم القراءة الذي طوره سارتر في كتابه "ما الأدب؟"، أي القراءة بوصفها تفاهما للنداء الذي توجهه حرية الكاتب إلى حرية القارئ، من خلال تقديم عالم هو عالمه الخاص، كشفا لمسؤوليته تجاه هذا العالم الذي عليه تغييره.











