الكويت والخطأ المتكرر في قراءة الخليج!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في السياسة كما في التاريخ، هناك أخطاء تُرتكب مرةً فتُفهم، وأخطاء تتكرر حتى تصبح دليلاً على سوء التقدير. ومنذ عقود، لا تزال بعض القوى في المنطقة تقع في الخطأ ذاته، وهو سوء قراءة دول الخليج العربي، والاعتقاد بأن الضغط أو التهديد أو استهداف دولة من دوله قد يحقق مكسبًا سياسيًا أو يفرض واقعًا جديدًا. هذا الخطأ تكرر كثيرًا. تكرر حين ظن البعض أن الصواريخ والمسيّرات يمكن أن تُرهب شعوب الخليج. وتكرر حين اعتقد آخرون أن الأزمات قادرة على تفكيك منظومة التعاون التي تأسست بحكمة قادتها وإرادة شعوبها. وتكرر مرةً أخرى في كل محاولة تستهدف أمن دولة خليجية أو استقرارها أو سيادتها. وآخر تلك المحاولات ما تعرّضت له دولة الكويت الشقيقة، الدولة التي لم تكن يومًا مصدر تهديد لأحد، ولم تُعرف إلا بالحكمة والاعتدال والسعي إلى جمع الكلمة وتقريب وجهات النظر. ولعل ما استوقفني اليوم ودفعني إلى كتابة هذه السطور ذلك البيان السعودي، الواضح والحازم، الذي عبّر عن موقف المملكة العربية السعودية تجاه ما يمس أمن الكويت واستقرارها. بيان جاء ليؤكد حقيقة راسخة لا تقبل التأويل، وهي أن أمن الكويت من أمن المملكة، وأن المساس بأي دولة من دول مجلس التعاون هو مساس بأمن الخليج كله. ولم يكن هذا الموقف مستغربًا على المملكة التي كانت، ولا تزال، السند الصادق لأشقائها، والحريصة على أمن المنطقة واستقرارها، والداعية دائمًا إلى تغليب الحكمة والحوار واحترام سيادة الدول. لكن من المؤسف أن هناك من لا يزال يقرأ المشهد بعين الماضي، ويعتقد أن لغة التهديد قادرة على فرض النفوذ، وأن إثارة القلاقل يمكن أن تحقق ما عجزت عنه السياسة. هؤلاء لم يدركوا بعد أن الخليج الذي عرفوه قبل سنوات لم يعد كما كان. فدول مجلس التعاون اليوم أكثر تماسكًا، وأكثر وعيًا بالتحديات، وأكثر قدرة على حماية أمنها ومصالحها ومقدرات شعوبها. كما أن شعوب الخليج نفسها أصبحت أكثر إدراكًا لحجم الأخطار التي تحيط بالمنطقة، وأكثر التفافًا حول قياداتها الوطنية التي أثبتت خلال العقود الماضية حكمةً ومسؤولية، وقدرة على التعامل مع الأزمات مهما تعقّدت. وإذا كانت بعض الأطراف لا تزال تراهن على التهديد أو التخويف أو صناعة الأزمات، فإن دول الخليج تراهن على شيء آخر تمامًا. تراهن على التنمية، وعلى بناء الإنسان، وعلى الاقتصاد، وعلى المستقبل، وعلى استقرار المنطقة بدلاً من إشعالها. وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين من يبني ومن يهدّم، وبين من يستثمر في الحياة ومن يستثمر في الفوضى! لقد أثبتت السنوات الماضية أن كل محاولة لاستهداف دولة خليجية كانت تنتهي بنتيجة معاكسة تمامًا لما خُطط لها. فبدلاً من الفرقة كان التلاحم، وبدلاً من التراجع كان التقدم، وبدلاً من الخوف كان الإصرار على المضي نحو المستقبل. ولهذا، فإن الخطأ الأكبر الذي لا يزال البعض يكرره هو الاعتقاد بأن الكويت يمكن أن تُترك وحدها، أو أن دولة خليجية يمكن أن تُعزل عن محيطها الطبيعي. فما يجمع دول الخليج أكبر من حدود السياسة، وأعمق من المصالح العابرة، وأرسخ من أن تهزه صواريخ أو تهديدات أو حسابات خاطئة. ختامًا، لقد أراد البعض عبر السنوات أن يختبر صلابة الخليج، فكانت النتيجة في كل مرة أن اكتشف مقدار تماسكه. وأراد آخرون أن يختبروا قوة العلاقة بين دوله، فوجدوا أن ما يجمعها أكبر بكثير مما يتصورون. واليوم، كما بالأمس، تبقى الكويت عزيزة على أشقائها، ويبقى الخليج بيتًا واحدًا إذا اشتكى منه جزء تداعى له الباقون بالمساندة والدعم والموقف الصادق. حفظ الله الكويت وشعبها، وحفظ المملكة العربية السعودية، وحفظ دول مجلس التعاون الخليجي من كل سوء، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء. وسيظل الخليج، بإذن الله، أقوى بالله وبوحدته، وأمضى بإرادة قادته، وأبقى بتلاحم شعوبه.



