الخوارزميات بين أحضان الجلادين الصامتين
لم تعد للإنسان كلمة الفصل في العيش في عالم يقرر فيه شن الحرب أو إحلال السلام؛ فعندما نستيقظ في صباحنا نجد أن قرار الحياة والموت قد انتقل من أفواه البشر إلى ظلمات الخوادم العملاقة. ان الذي يحدث اليوم ليس مجرد تطور في استخدام السلاح؛ بل هو انقلاب تاريخي ومروع في مفهوم القتل، إذ تحول الذكاء الاصطناعي من أداة طيعة إلى سيد لا يرحم، يقرر من تستمر نبضات قلبه، ومن تعلق صورته في سجلات الموتى ويمحى أثره.
في الحروب التي شهدتها المنطقة مؤخرا، وخصوصا تلك التي قدمتها أمريكا وإسرائيل كعرض تكنولوجي بلون الدم، رأينا كيف تم طرد الضمير من معادلة الصراعات! فعندما يتمكن نظام ذكي من تحديد آلاف العناوين كفرائس بشرية في أقل من ثانية، فهذا يعني أن قيمة الإنسان لديهم باتت تساوي مجرد كود رقمي أو هدفا تدور حول الشبهات. وهنا، لم يعد الموت كارثة إنسانية، بل مجرد بيانات جافة تخلق في طرفة عين ظرفا يسهل قرار القتل والتدمير.
لقد أثبتت الحرب الأخيرة أن هذه الآلات عديمة الروح لم تصنع لتسمع حشرجة بكاء أمّ أو لتحمي قداسة الحياة، بل مهمتها تنحصر في التحديد والإصابة. وعندما تحكم الخوارزمية، تتحول الرحمة إلى تكلفة إضافية لا معنى لها. إن إستراتيجية هذه الحرب الجديدة بسيطة ووحشية في آن واحد تتلخص في قتل أكبر عدد من الناس بأقل ثمن وخسائر. فطائرة مسيرة (درون) رخيصة الثمن تعمل بعقل الخوارزميات البارد، تخلق كوارث لا يستوعبها العقل البشري.
لقد أثبتت فاجعة مدرسة (ميناب) في إيران وعشرات الحوادث المماثلة، أن (الخطأ الخوارزمي) ليس مجرد مصطلح تقني، بل هو ستار للتغطية على جرائم حرب كبرى، فعندما تقتلك آلة، لا أحد يعتذر، ولا أحد يتحمل وزر هذه الجريمة على عاتقه؛ وهذا التهرب من العقاب هو التهديد الأكبر لمستقبل الجنس البشري.
إن الخطورة لا تتوقف عند هذا الحد، بل إن دول المنطقة تحولت إلى مختبر كبير لاختبار الأسلحة الذكية دون أي وازع أخلاقي لحماية المدنيين. فنحن أمام احتلال بياناتي عميق؛ فالمنصات الرقمية تحول كل حركاتنا، وكل كلمة في هواتفنا ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى وقود لتلك الخوارزميات التي ستقرر اليوم أو غدا مصير حياتنا أو موتنا..
إن العالم يسير نحو مسار تعد فيه كل ابتكاراته الجديدة أسلحة فتاكة يتم استخدامها، ومعيار السيادة الوطنية لم يعد مرتبطا بالحدود الجغرافية، بل بمن يسيطر على الخوادم والبرمجيات داخل عقولنا وأسلحتنا؛ وإذا استمر الوضع بهذا المنحى، فإننا نسير نحو عصر أكثر قسوة؛ فالخوف ليس من أن تصبح الآلة بديلا للإنسان، بل الخطر الأكبر هو أن يتحول الإنسان إلى آلة بحيث لا يهتز ضميره بعد الآن لرائحة الدم والألم.
الكل يؤكد بأن العالم بحاجة إلى انتفاضة أخلاقية ومقاومة رقمية، لكن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إنقاذ البشرية من بين براثن هذه الكودات الخالية من المشاعر. يجب أن نفهم أن العالم الذي تكون فيه الآلة هي صاحب القرار النهائي، هو عالم قد فقد مسبقا كل معانيه الجميلة. إن خطر المستقبل لا يقتصر على الصواريخ والمسيرات والأسلحة الحالية؛ بل في تلك الأنظمة عديمة الإحساس التي تشوه الرأي العام وتغزو عقول أجيالنا، لدرجة تجعلنا نرى القتل مجرد خطأ في النظام وليس جريمة.
وبعد كل ما خلفته الحرب الراهنة من دمار وسفك للدماء، نحن على يقين بأن العراق يتخلف بـ 20 إلى 30 عاما على الأقل في مجالات إنتاج الخوادم العملاقة، والرقائق الإلكترونية المتطورة، وامتلاك البنية التحتية الفيزيائية؛ وهو في هذا المجال لا يزال مجرد مستخدم بدائي. وهذا يعني أننا، حتى في مقام الدفاع عن النفس، لا نملك القدرة على خوض غمار هكذا حروب، ولن يكتب لنا النصر في أي صراع من هذا النوع.





