الخُمس الأخير من العمر
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
تجاوزت الثمانين، فقررت الاختلاء لنفسي لبضعة أيام. ذهبت لـ «بيت الشاطئ»، أو الشاليه، الذي أصبح الذهاب له يشكل عبئاً على الأبناء، فهجروه، بعد أن كان الحصول عليه حلماً يراودهم. جلست في مقعدي المفضل، وسرحت بنظري في الأفق، وفي مياه البحر الزرقاء، وأشعة شمس الغروب المنعكسة بلطف على وجه الماء الرقراق، تعطيه رونقاً جميلاً، وبدأت، من دون وعي، أستعرض شريط ذكرياتي طفلاً، وصبياً ومراهقاً وشاباً، وموظفاً وناضجاً، ثم الوصول لمحطة منتصف العمر، والدخول المتسارع في الكهولة، وكل ما تضمنته تلك المراحل من سعادة وزعل، وضحك، وبكاء، وأمنيات وأفكار وتقلبات وتغيُّرات، وزواج وإنجاب أولاد، وفرح برؤية الأحفاد، وكم هائل آخر من الأحداث، بخلاف شهور الغزو والاحتلال، وما سبقها من شبه هجرة لأمريكا، وتالياً اللجوء مؤقتاً لبريطانيا، والعودة للكويت، بعد 6 سنوات هجرةً طوعية، وكانت العودة قبل أيام فقط من اجتياح أوباش صدام لوطني، وكنت شاهداً على عبثهم وفسادهم وتخريبهم، وسعيهم الحثيث، وبأوامر عليا غالباً، جعل الكويت خراب، بعد أن فشل قائد الأمة والزعيم الضرورة في جعل حتى واحدة من الـ18 محافظة تشبه الكويت، ولو في شيء واحد. فما أسهل الهدم وما أصعب البناء. تذكرت الأهل، والأصحاب والأحبة، ومن غادرونا إلى الأبد، ومن رحلوا إلى هنا أو هنالك، وأخذت نفساً من السيجار، وارتشفت من كوبي ما لذ وطاب، ونظرت لحياتي بطريقة مختلفة، وقلت حسناً، لقد بلغت، في أحسن الأحوال، الخُمُس الأخير، من العمر، وأصبحت الأمراض والأوجاع أكثر تكراراً، وأصبحت النفس معها أقل صبراً، ووقعها أشد وطأة، وأبطأ مغادرة. كما أن قطع الغيار لأي كسر أو خراب أصبحت أكثر من نادرة، والعجز قادم لا محالة، والسكون وقلة الحركة مقبلان لا شك في ذلك، لكن ما يخفف من القلق ذلك الشعور بأننا أدينا دورنا في الحياة، وقمنا بواجبنا نحو الأسرة والمجتمع والأهل، من والدين وأخوات ومن زوجة وأبناء، وعلينا، فيما تبقى لنا من سنوات، أو ربما أشهر، أن نعيش لأنفسنا، بكل ما تعنيه الكلمة من قسوة، فهذا العيش أو الانفراد مهم وحيوي، فالعجز، أو الشيخوخة لا ترحم، ولكن لماذا ننتظر ضربتها، ولا نتحرك ونفعل ما يسرنا أكثر في الحياة، فقد تنازلنا كثيراً، وللجميع، وحان وقت التنازل لأنفسنا، والعيش مع أنفسنا، ولو لبضع سنوات، أو حتى أشهر أو أيام، وفي جميع الأحوال سيكون في الغالب قصيراً، وسينتهي أجل كل ذلك قريباً، فالحنين لما اعتادته النفس يجعل العودة، بين الخلوة والأخرى، لسابق روتين الحياة، أمر لا مفر منه!! * * * لقد فعلت ما اعتقدت أنه الصحيح سواء في ما يتعلق بوالدي، وربما سيعاملني أبنائي بمثل تلك المعاملة، وإن لم يفعلوا فهو ليس ذنبهم، بل هو ذنبي. وبإمكاني تفهم ذلك، فللأبناء أيضا حياتهم ومشاكلهم، وأسرهم، فكيف أكون أقرب لهم من الزوج (أو الزوجة) أو الأبناء، مع كل ما أصبحت أمثلة من عبء؟ يقول طبيب فيلسوف: المال ليس ضمانًا ضد الوحدة. والصحة لا يمكن أن تبقى معنا للأبد. لكن المال أكثر موثوقية من الأبناء، ويجب ألا يغضبنا ذلك، فهي الحقيقة. كما أن الأبناء حب وفرح، لكنهم ليسوا صندوق تقاعد. علينا الاحتفاظ والاستمتاع بحريتنا، ما استطعنا، ربما تأخرت في ذلك، لكن أن تأتي «الحرية النسبية، والمؤقتة»، متأخرة خير من ألا تأتي أبداً. والحرية هنا مقيدة شيئاً ما ومحدودة، لكنها تبقى حرية في الحركة، حرية في السفر، حرية ارتداء ما نشاء، والمشي تحت المطر، والسير على الهش من الثلوج المتساقطة، والحديث مع من نشاء، وأن نستمر في النهوض من الفراش، صباحاً، متى ما أحببنا، فهو أمر يتوقف قراره علينا، فقريباً سوف لا يمكننا القيام به، وبأمور كثيرة أخرى، بنفس السهولة. وأن يكون بإمكاننا صنع ولو بضع وجبات، أسبوعياً، لأنفسنا. فالانشغال عن آلام التقدم في العمر يواجه بالفرح، فهو أفضل لقاح ضد الاكتئاب، الذي يأتي بعد الحزن. علينا نسيان الماضي، وتركه خلفنا، وعدم الاكتراث للمستقبل وأن نهتم بساعات ودقائق يومنا الحاضر، وأن نبقى أحياء، ما استطعنا لذلك سبيلاً، فالبقاء ممكن بعد السبعين والثمانين، وحتى لما بعد المئة، ويمكن، من خلال أمور بسيطة، جعل ما تبقى لنا في هذه الدنيا، أكثر جمالاً. أحمد الصراف




