... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
152077 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6494 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الجماعات القروية

العالم
هسبريس
2026/04/11 - 16:10 501 مشاهدة

الغاية والمبررات:

ليس القصد من هذا المقال تقديم سرد تاريخي للمسار الديمقراطي ببلادنا، بقدر ما هو محاولة للوقوف عند بعض الإنجازات والتحديات التي طبعت التجربة الديمقراطية بالمغرب منذ الاستقلال، ولا سيما تلك المرتبطة بتدبير الشأن المحلي على مستوى الجماعات القروية..

وقد تتبادر إلى الأذهان مباشرة أسئلة بديهية ومشروعة:

إلى أي حد عكست التوجهات التشريعية للمشرع المغربي في هذا المجال واقع وخصوصيات الثقافة السائدة لدى ساكنة العالم القروي؟

وهل حققت القوانين- المصوغة عموما برؤية مثالية- أي أثر حقيقي وناجع عند ممارستها، أم ظل تأثيرها محدودا في الواقع؟

وإلى أي حد تمكنت الجماعات الترابية، بصفة عامة، والجماعات القروية بصفة خاصة، من الاضطلاع بدورها الحقيقي في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالقدر المطلوب؟ وما حجم المساهمة الفعلية للمنتخبين في مجالي التسيير والتدبير، وعلى أي أساس من التأهيل الثقافي والتكويني يستندون بما يُمكّنهم من إعداد مخططات استراتيجية محكمة، وفق برامج واقعية؟ ثم إلى أي حد يتوفر هؤلاء المنتخبون على الكفاءة اللازمة للاعتماد على إمكاناتهم الذاتية، من خلال الاجتهاد والابتكار، قصد تعبئة موارد مالية من مصادر متنوعة، تسهم في تعزيز ميزانيات جماعاتهم؟

كلها أسئلة تطرح نفسها. وطرحها ليس اعتباطيا، لأنها لا تأتي من مجرد متفرج يلاحظ ويقيم عن بعد، وإنما هي نابعة من تجربة شاهد عيان، وفاعل سياسي عاش بنفسه جل المراحل التي مرت بها التجربة الديمقراطية ببلادنا، على الأقل منذ 1976 إلى 2021 بدون انقطاع، منها ثلاث ولايات كرئيس جماعة وعضو مجلس إقليمي، بالإضافة إلى تجربة حزبية كعضو المكتب السياسي بأحد الأحزاب السياسية المغربية لمدة معينة. ويقول المثل الشعبي: “سوّل المجرب وما تسوّل طبيب”.

لمحة تاريخية:

وحتى لا ننطلق من فراغ، لابد من إطلالة خاطفة على الماضي غير البعيد نحددها في نهاية عهد الحماية بالمغرب.

لما انقشع ظلام الاستعمار، وأشرق نور الاسقلال، اكتسب المغاربة قوة معنوية جديدة تولدت عنها إرادة صادقة، وعزيمة راسخة لبناء مغرب حديث قائم على أسس متينة قوامها النهج الديمقراطي المتعارف عليه دوليا، في انسجام مع الأعراف والقيم المعمول بها وطنيا..

ومن بين التحديات الكبرى التي واجهت المغرب آنذاك، كانت تلك الخاصة بإعادة هيكلة الدولة، والخروج المبكر من وصاية الاستعمار، بالتأسيس لنظام سياسي أصيل على المقاس، يأخذ بعين الاعتبار المقومات والثوابت الراسخة للأمة، والتشبت بحضارتها المتجدرة، مع الانفتاح على روح العصر، وذلك ببناء مؤسسات عصرية متخصصة ومتنوعة كآليات لتسيير وتدبير شؤون البلاد..

فجاء خطاب الملك محمد الخامس مباشرة غداة عودته من المنفى ليدشن العهد الجديد بكلمته الشهيرة ” لقد رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”.. وهذا يدل على أن الملك قد استوعب مبكرا بأن مقاومة الاستعمار كانت واجبة، والحصول على الاستقلال كان بحق مكسبا ثمينا، لكن الأهم كان بالنسبة إليه هو العمل على بناء مغرب جديد على أسس متينة تضمن استقراره السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وذلك بتلاحم الشعب المغربي بالعرش أولا، قولا وعملا، في ظل الشعار ” الله الوطن الملك”..

فكانت الخطوة الأولى هي العمل على تثبيت الأرضية الأساسية لتكون بمثابة رافعة صلبة تساعد على إجراء إصلاحات هيكلية وفي مقدمتها وحدة المغرب من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، تم تدشينها بإشارة رمزية من خلال بناء “طريق الوحدة” عام 1957 على طول 80 كلم.

وبعد ذلك مباشرة، تم الشروع في تشييد أسس الدولة بشكل فعلي وفق نموذج سياسي وإداري وسوسيو-اقتصادي جديد، هدفه الارتقاء بالمغرب إلى مصاف الدول النامية على المدى القريب، ثم إلى مصاف الدول المتقدمة على المدى المتوسط والبعيد..

وهكذا، سارع المغرب فور حصوله رسميا على الاستقلال عام 1956 إلى هيكلة الدولة، بدءا ببناء المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، والقيام بإصلاحات جوهرية وفي مقدمتها الإصلاحات الدستورية والقانونية، توجت بدستور 1962 الذي كان بمثابة اللبنة الأولى في ترسيخ الحقوق السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، وذلك بضمان حرية الرأي والتعبير، والاجتماع، وتأسيس الجمعيات، وإصدار الصحف.. وفي نفس الإطار تم إقرار نظام العمالات والأقاليم لتثبيت سلطة الدولة، مواكبة مع إصلاح القضاء وتوحيده، وإصلاح النظام الجبائي، ومغربة الإدارة وتعريبها.

وفي خضم كل هذه الإصلاحات، قرر المغرب أن يؤسس لتجربة ديمقراطية، وذلك بإرساء مؤسسات منتخبة، كتمرين على ممارسة الشأن المحلي عبر جماعات ترابية تعتبر الركيزة الأساسية للديمقراطية المحلية، وتتيح الفرصة للمواطنين تدبير شؤونهم التنموية، الاجتماعية والثقافية بشكل مباشر عبر منتخبيهم.

بوادر الإصلاح:

لقد صدر القانون الجماعي لأول مرة سنة 1960؛ وكان هدفه تعزيز اللامركزية وتسيير الشأن المحلي بتنظيم وتوحيد الجماعات الترابية، وتحديد اختصاصاتها، تم على إثره إحداث 108 جماعة قروية وحضرية، مقابل 1503 في الوقت الراهن، منها 1282 جماعة قروية.

فكان هذا الميثاق بداية لسلسلة من الإصلاحات التي تلته في أربع محطات: 1976، 2002، 2009، 2011، من أجل تطوير وتجويد التدبير المحلي؛ حتى أصبحت هذه المحطات تعتبر كلها “تجربة ديمقراطية” بصفة دائمة، وكأن هذه الجماعات “ولدت بإعاقة مستديمة” لا تستطيع النمو بكيفية طبيعية، لتظل خاضعة “لعلاج” دائم ومستمر..

لا شك أن إحداث الجماعات الترابية كان من أهم التجليات الأولى لممارسة الديمقراطية على أرض الواقع. لكن هذه الجماعات، وخاصة الجماعات القروية، لم تنل حقها الكافي من الوضع الجديد، حيث ظلت تعيش الفقر والهشاشة، والأمية، والمرض، والنقص في التجهيزات، وقلة الخدمات..

فقبل ظهير 1976، لم تكن الجماعات القروية تتمتع بوزن قانوني وسياسي يمكنها من الاضطلاع بدورها الفعال في تحقيق التنمية المنشودة، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، إذ طغت عليها الوصاية الإدارية المشددة، لم تترك لها الاستقلالية اللازمة في تسيير وتدبير شؤونها بنفسها، حيث كان القائد آنذاك هو الموجه والمقرر الحقيقي في تدبير الشؤون الجماعية، ليبقى المجلس مجرد “ديكور” يصادق على المقررات التي لا تتعارض مع أهداف السلطة الوصية؛ مما يعني أن الانطلاقة لم تكن موفقة، تشريعا وممارسة؛ ليصدق عليها المثل الشعبي:” قالوا فلان طاح، قالوا من الخيمة خرج مايل”..

وقد يكون للمشرع المغربي، خلال الفترة الممتدة ما بين بداية الاستقلال إلى صدور الميثاق الجماعي سنة 1976، ما يبرر بعض اختياراته؛ وذلك بالنظر إلى حساسية الظروف والأحداث آنذاك، وما كانت تفرضه من قدر كبير من التريث والحذر، تفاديا للوقوع في أخطاء جسيمة قد تنحرف بالبلاد نحو وجهة غير سليمة.

ودامت هذه المرحلة زهاء عقدين من الزمن، وهي مدة كانت كافية، باعتبارها تجربة أولى في ممارسة الديمقراطية. ولكن بعد هذه المدة الطويلة، لم يعد هناك ما يبرر الاستمرار على النهج ذاته الذي ثبت عُقمه، بل أصبح لزاما على الدولة أن ترتقي بهذه الممارسة إلى مستوى أفضل، قوامها الالتزام بالمبادئ الكونية التي تطبعها الجدية والشفافية سواء على مستوى التشريع أوعند التطبيق..

ومرت المرحلة الإنتقالية ( 1960- 1976) في ظروف غير مستقرة، كان لها لاشك، تأثير مباشر على السير العادي للمؤسسات المنتخبة وخاصة منها الجماعات القروية، التي عانت وقتها من ثقل الوصاية المفرطة للسلطة، حالت دون نيلها حظها الوافر في التنمية؛ وبات من الضروري أن تساير الدولة التطورات والتحولات التي تعرفها البلاد، وتأخذ بعين الاعتبار درجة الوعي الذي وصل إليه المجتمع المغربي، فأتت بظهير 1976 الذي كان حقا بمثابة ثورة في التشريع المغربي، حيث شكل منعطفا تاريخيا بتوسيع اختصاصات المجالس المحلية، ونقلة نوعية في تدبير الشأن المحلي من خلال تعزيز اللامركزية لتشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

قفزة نوعية في المسار التشريعي:

لقد شكل الميثاق الجماعي لسنة 1976 بحق إنجازا تشريعيا متميزا، أسهم في تحقيق جانب مهم من الأهداف التي توخاها المشرع المغربي، لا سيما على مستوى الجماعات الحضرية المؤهلة هيكليا، والمؤهبة لتنزيل مقتضياته على أرض الواقع، بفضل ما تتوفر عليه أصلا من وسائل بشرية وموارد مالية ذاتية.

أما بالنسبة للجماعات القروية، فإن الوضع يختلف جدريا، إذ وجدت نفسها مطالبة بإعادة بناء ذاتها من جديد، في ظل افتقارها إلى الإمكانيات البشرية والمادية الضرورية الجديرة برفع التحديات التي تواجهها في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية المنشودة. ويزداد هذا التحدي حدة بفعل اتساع المجال الترابي الذي تشمله، ووعورة تضاريسه، وضعف أو انعدام التجهيزات الأساسية في معظم مناطقه، فضلا عن ندرة الموارد الطبيعية والجبائية..

شهدت الجماعات القروية بالمغرب تحقيق عدد من المكتسبات والتي لا يمكن إنكارها، رغم ما يطبعها من محدودية في الأثر وضعف في الفعالية على مستوى التشريع والممارسة.

فقد سُجِّل تقدم ملموس في مجال الحريات، وتراجع نسبي في الممارسة السلبية لسلطة الوصاية، بما أتاح هامشا أوسع لتدبير الشأن المحلي.

كما أسهم قرب المنتخبين من الساكنة في تقريب بعض الخدمات العمومية البسيطة، وتيسير الولوج إلى المرافق الإدارية، فضلا عن إشراك المواطنين، ولو بشكل محدود، في إبداء آرائهم بشأن إنجاز مشاريع صغرى داخل دواويرهم.

ومع ذلك، تظل هذه الإنجازات جزئية ولا ترقى إلى مستوى التحول النوعي المنشود، بالنظر إلى استمرار اختلالات بنيوية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، تحد من بلوغ جماعات العالم القروي درجة كافية من التمكين الديمقراطي القادر على إرساء تنمية مستديمة. لذلك، يظل من الضروري إخضاع هذه التجربة لتشخيص موضوعي دقيق، يهدف إلى تقييم حصيلتها ورصد أعطابها الحقيقية، بما يمكن من تصحيح مسارها وتعزيز نجاعتها التنموية..

تطور تشريعي وعقم في الممارسة:

لم يَكلّ المشرّع المغربي، ولم يتوقف عن إنتاج النصوص التشريعية منذ إحداث الجماعات المحلية، ولا سيما القروية منها، بالنظر إلى الرزمة الكثيفة من القوانين التي أعدّها، إلى حدّ “التخمة”، بهدف سدّ الثغرات التي تكشف عنها الممارسة العملية والميدانية. غير أنّ هذه القوانين، على كثرتها، لم تستطع تفادي جملة من الاختلالات التي ما تزال تعيق نجاح التجربة في العالم القروي. ومن أبرز هذه الاختلالات ما هو قانوني مرتبط بمركزية القرار، وما هو واقعي ناتج عن ضعف الموارد وغياب النخب المؤهلة للتسيير والتدبير الأمثل. وقبل عرض هذه الاختلالات، تبرز ملاحظة عامة وأساسية بخصوص القوانين المؤطرة للعمل الجماعي، خاصة في الوسط القروي.

فابتداءً من الأساس، تُعدّ الجماعة الترابية إطاراً مؤسساتياً يخضع لقوانين تنظيمية تحدد مهامها، وتُسيَّر شؤونها بشكل ديمقراطي عبر مجالس منتخبة. وقد يكون هذا الإطار القانوني ناقصاً أو بحاجة إلى تطوير، يمكن أن يتحقق بوجود منتخبين يتسمون بالكفاءة والنزاهة تجعلهم يضطلعون بدور فعّال في تقويم المسار وتصحيح الاختلالات. أما في حالة غياب هذه المؤهلات، فإنّ الأمر يتحول إلى معضلة يصعب معها إصلاح الاعوجاج، مما يفرض البحث في جذور الخلل.

الأحزاب السياسية وضعف التأطير:

وبالتعمق في الموضوع، يتبيّن أنّ جزءاً من هذه الاختلالات يعود إلى تقاعس الأحزاب السياسية عن أداء دورها الأساسي، والمتمثل في تأطير المواطنين، وتربيتهم على قيم المواطنة، وتأهيلهم للمشاركة في تدبير الشأن المحلي بروح المسؤولية، والعمل الجاد، والتفاني في خدمة التنمية المحلية. وبهذا المعنى يتجسد الإخلاص الحقيقي للوطن والملك؛ إذ كيف يمكن تصور انتخاب أشخاص لتدبير الشأن المحلي وهم يفتقرون إلى أبسط شروط الأهلية من حيث المروءة، والثقافة، والتكوين السياسي؟ والحال أنّ عدداً كبيراً من المنتخبين في الجماعات القروية يجهلون مضامين الترسانة القانونية وتقنيات التدبير اليومي، مما يخلق فجوة واضحة بين النص القانوني والواقع التدبيري المعقّد.

ثم، هل يكفي الإدلاء بنسخة من السجل العدلي ليُعدّ المرشح نزيهاً وخالياً من الشبهات؟ وهل يُعقل، مثلا، أن يفوز مرشح في دائرة انتخابية معينة بثمانين صوتاً فقط من أصل ستمائة ناخب مسجل، لنقول إنه يمثل دائرته تمثيلاً حقيقيا وديمقراطياً؟ أليست هذه إحدى نتائج نمط الاقتراع الأحادي الاسمي في دورة واحدة، الذي يخدم بالدرجة الأولى مصالح الأعيان وأصحاب النفوذ، أكثر مما يعكس البرامج السياسية؟ وثم، ألم يحن الوقت لإعادة النظر في هذا النمط، باعتماد دورتين انتخابيتين بدل دورة واحدة؟ وبالعودة إلى موضوع الثغرات التي تعرقل السير العادي للجماعات القروية، يمكن إجمالها فيما يلي:

1- الاختلالات القانونية والمؤسساتية:

وتتجلى في:

▪︎ ثقل الوصاية الإدارية، حيث لا تزال وزارة الداخلية تمارس رقابة قبلية وبعدية على عدد من القرارات، خاصة ذات الطابع المالي، بما يحدّ من مبدأ التدبير الحر واستقلالية الجماعات؛ علما أن هذه الوصاية، كانت ولا تزال، ضرورة يفرضها استفحال مظاهر الفساد واختلالات التدبير لدى فئة واسعة من الجماعات الترابية.

▪︎ تداخل الاختصاصات وغياب الوضوح في توزيع الأدوار بين الجماعة، والمجلس الإقليمي، والجهة، والإدارة المركزية، وهو ما يؤدي إلى تشتت الجهود وضعف النجاعة في تنفيذ المشاريع.

وبالمناسبة، فإن المجالس الإقليمية تبدو، في كثير من الأحيان، كحلقة زائدة ضمن منظومة المؤسسات المنتخبة، لكونها تلعب دور الوسيط بين الإدارة المركزية والجماعات القروية، وتستهلك جزءاً مهماً من الموارد المالية، خاصة من عائدات الضريبة على القيمة المضافة، دون أن تتوفر على موارد ذاتية كافية، في حين يُوجَّه جزء معتبر من ميزانيتها إلى نفقات التسيير. وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول جدواها ونجاعتها.

▪︎ جمود الإطار القانوني للموظف الجماعي، في ظل غياب نظام أساسي خاص بموظفي الجماعات الترابية، يضمن تحفيز الأطر والكفاءات على الاستقرار، خاصة في المناطق القروية والنائية.

▪︎ إشكالية الفضفاضية في التشريع الجماعي:

تُعدّ إشكالية الفضفاضية في التشريع الجماعي من أبرز مظاهر القصور، حيث تتجلى في اعتماد تعابير عامة بدل قواعد دقيقة ومحددة، مما يترك هامشاً واسعاً للتأويل الإداري. وتشير التقديرات إلى أن نسبة المقتضيات التي يشوبها هذا الطابع الفضفاض تتراوح ما بين 20% و30%.

ويمكن الاكتفاء بمثال دالّ من بين الأمثلة الشائعة، يتعلق بالمادة 51 من القانون التنظيمي، في ارتباطها بالأحزاب السياسية، والتي تنص على تجريد المنتخب من عضويته في حالة التخلي عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه، أو تغيير الفريق الذي ينتمي إليه داخل المجلس. غير أن هذه المادة تظل فضفاضة من حيث الصياغة، ذلك أن مفهوم “التخلي عن الانتماء السياسي” يحتمل أكثر من تأويل؛ إذ قد يُفهم على أنه استقالة صريحة من الحزب، كما قد يُفسَّر على أنه عدم الالتزام بقراراته، كالتصويت خلافاً لتوجهاته.

ويزداد الإشكال تعقيداً في ظل غياب آليات تفعيل واضحة ومحددة، خاصة وأن مسطرة البت في هذه الحالات تبقى مرتبطة بالقضاء الإداري، بما يترتب عن ذلك من بطء في الحسم، وتباين في التأويلات.

2- الاختلالات الواقعية والتدبيرية

▪︎ الهشاشة المالية، حيث تعتمد أغلب الجماعات القروية بنسبة تصل إلى 90% على حصتها من الضريبة على القيمة المضافة ” TVA ” تمنحها الدولة، مع عجز تام عن استخلاص الجبايات المحلية أو خلق موارد ذاتية..

وبالحديث عن الجبايات، يبرز موضوع بالغ الأهمية يستوجب وقفة خاصة، يتمثل في الضريبة الفلاحية، التي لم يوفق المشرع المغربي إلى إدراجها ضمن مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات، حيث يُسجَّل على المنظومة الجبائية غياب تحصيل فعلي لمداخيل من النشاط الفلاحي، رغم ما يمثله هذا القطاع من ثقل اقتصادي ومجالي، خاصة وأن الجماعات القروية تحتضن أغلب الأراضي الصالحة للزراعة. هذا الوضع يحرم هذه الجماعات من مورد مالي كان يمكن أن يساهم بوضوح في تقوية ميزانياتها وتحسين قدرتها على توفير الخدمات الأساسية.

ولا خلاف في أن الفلاحة تُعد ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدر عيش مباشر لساكنة واسعة، مما يبرر دعم الفلاحين الصغار عبر إعفائهم أو تخفيف العبء الضريبي عنهم. غير أن هذا المنطق يفقد وجاهته حين يتعلق الأمر بالفلاحين الكبار الذين يحققون أرباحا مرتفعة سنويا، إذ يظل من المنطقي إخضاعهم لواجب التضامن الجبائي، خاصة وأنهم يستفيدون من البنيات التحتية العمومية التي تمولها الجماعات. بل إن جزءا من هؤلاء الفاعلين الاقتصاديين ينشطون أساسا في قطاعات حضرية مربحة، ويستثمرون في الفلاحة في إطار امتياز ضريبي غير مبرر، مما يكرس اختلالات تنافسية مع الفلاحين الصغار، ويُفاقم الضغط على الموارد الطبيعية، خصوصا الفرشة المائية.

وفي هذا السياق، يبرز أيضا الحاجة إلى إرساء حكامة قطاعية أكثر نجاعة، عبر إحداث وزارة مستقلة تُعنى بالشأن القروي، يقودها مسؤول ذو خبرة ميدانية ودراية حقيقية بإكراهات العالم القروي، بما يسمح بصياغة سياسات عمومية أكثر توازنا وإنصافا.

▪︎ ضعف النخب المحلية الذي يظهر جليا من خلال غياب التكوين المستمر للمنتخبين القرويين، وانتشار الأمية الوظيفية لدى بعضهم، مما يجعلهم غير قادرين على فهم وتنزيل “برامج الجماعة”، أو الترافع لجلب الاستثمارات؛ بالإضافة إلى العجز اللوجيستي والبشري، وذلك بنقص حاد في الأطر التقنية المؤهلة، والمهندسين المختصين، والمديرين القادرين على صياغة مشاريع تنموية..

▪︎ الزحف الحضري على المجال القروي وآثاره:

تتغذى الجماعات الحضرية على حساب الجماعات القروية المجاورة للمدن، إذ تمارس عليها زحفا حضريا متسارعا عبر اقتطاع مساحات واسعة تخصص للأنشطة الصناعية والسكنية، أو لإقامة التجهيزات العمومية.. ويترتب عن ذلك تراجع ملحوظ في الأراضي الفلاحية، وتفاقم ظاهرة الهجرة القروية.

▪︎ أزمة الوعاء العقاري:

من المشاكل التي تعاني منها الجماعات القروية، صعوبة تعبئة العقار للمشاريع التنموية، حيث تواجه عراقيل في توفير الوعاء العقاري لإنجاز البنيات التحتية أو المشاريع الاستثمارية، بسبب التعقيدات القانونية أو رفض المالكين أو غياب مساطر مرنة.

▪︎ التشتت المجالي:

إن وعورة التضاريس وتباعد الدواوير يزيد من كلفة الربط بشبكات الماء والكهرباء والطرق، مما يجعل الميزانيات تستهلك في الصيانة دون إحداث نهضة اقتصادية.

▪︎ تسييس التنمية، وذلك بخضوع توزيع المشاريع داخل الجماعة لمنطق الولاءات الانتخابية والمصالح الضيقة للمنتخبين بدلا من معيار الأولوية والحاجة التنموية.

الجماعات بين سؤال الجدوى ورهان الإصلاح:

في المحصلة، لا يبدو أن إخفاق الجماعات القروية مردّه إلى ندرة النصوص أو قصورها العددي، بقدر ما هو انعكاس لفجوة بنيوية بين ما تقرره القوانين وما يفرزه الواقع، فجوة تغذيها ثغرات تشريعية من جهة، وممارسات يشوبها الفساد وضعف الحكامة من جهة أخرى. كما أن الإشكال يمتد إلى مستوى العقليات التي لم تستوعب بعد متطلبات التدبير الديمقراطي الحديث، وإلى تردد الدولة في تفعيل صلاحياتها كاملة بالصرامة العادلة اللازمة لفرض احترام القانون، لأن محاربة الفساد ليست خيارا ظرفيا، بل شرطا مؤسسا لأي إصلاح ذي مصداقية.

وأمام هذا الوضع، يظل التساؤل مشروعا: هل تدرك الدولة حجم الاختلال الذي بلغته هذه الجماعات؟ وما جدوى مؤسسات تُموَّل أساسا من المركز لتظل في موقع الوسيط أكثر منها فاعلا تنمويا؟ وأي دور للمنتخبين إن عجزوا عن ابتكار موارد وتنمية مداخيل جماعاتهم؟ أم أن الأمر انزلق إلى نمط من التمثيل الشكلي الذي يثقل كاهل المالية العمومية دون أثر ملموس؟ ألم يتحول المنتخبون إلى مجرد موظفين من “نوع خاص” لدى الجماعات، يتقاضون تعويضات مختلفة مقابل خدمات تكاد تكون، في كثير من الحالات، وهمية؟.. ثم ما جدوى وجود هذه الجماعات أصلا، إذا كانت الدولة تتولّى تمويلها بدل أن تعتمد على مواردها الذاتية؟ أم إنها، في نهاية المطاف، لا تختلف عن حال ابن تزوج وأنجب، ومع ذلك يظل عالة على والديه، بدل أن يضطلع بدور المُعيل لنفسه ولأسرته؟

أسئلة تفرض نفسها بإلحاح، وتظل الإجابة عنها رهينة بوجود إرادة حقيقية للإصلاح قد تكون لها اعتبارات لا يطلع عليها سوى أصحاب القرار، الذين من حقهم أن تكون لهم في هذا الشأن رؤية خاصة تدعمها مبرّراتها.

-كاتب وسياسي

The post الجماعات القروية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤