الفحيص.. سردية أردنية سبقت المصطلح
•كتب حازم عكروش - برز مصطلح "السردية الأردنية" بقوة خلال السنوات الأخيرة، ليصبح أحد أكثر المفاهيم حضورًا في النقاشات السياسية والثقافية والإعلامية في الأردن، رغم أن جوهره أقدم بكثير من المصطلح نفسه...
•فهو يشير إلى الطريقة التي يروي بها الأردنيون تاريخ دولتهم، وهويتهم الوطنية، ومسار تطورهم السياسي والاجتماعي.
•لكن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بوجود هذه السردية، بل بمن يكتبها، ولصالح من تُكتب، وما الذي تتضمنه أو تستثنيه.
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
كتب حازم عكروش -
برز مصطلح "السردية الأردنية" بقوة خلال السنوات الأخيرة، ليصبح أحد أكثر المفاهيم حضورًا في النقاشات السياسية والثقافية والإعلامية في الأردن، رغم أن جوهره أقدم بكثير من المصطلح نفسه. فهو يشير إلى الطريقة التي يروي بها الأردنيون تاريخ دولتهم، وهويتهم الوطنية، ومسار تطورهم السياسي والاجتماعي. لكن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بوجود هذه السردية، بل بمن يكتبها، ولصالح من تُكتب، وما الذي تتضمنه أو تستثنيه.
يرى المؤيدون لفكرة السردية الأردنية أنها ضرورة وطنية لحفظ الذاكرة الجماعية، وتوثيق تاريخ الدولة الأردنية، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة في مواجهة محاولات اختزال الأردن في أدوار سياسية أو روايات أحادية. وفي المقابل، يحذر آخرون من تحولها إلى رواية رسمية مغلقة تُقصي روايات وتجارب وطنية متعددة، بما فيها التيارات السياسية، والحركات الاجتماعية، وتجارب المعارضة، ودور النقابات والأحزاب، وهو ما يجعل السردية الوطنية الحقيقية أكثر اتساعًا من أي رواية واحدة.
وسط هذا الجدل، تبرز تجربة مدينة الفحيص، عبر نادي شباب الفحيص ومهرجان الفحيص الثقافي، بوصفها نموذجًا مبكرًا في بناء سردية وطنية تقوم على التعدد والانفتاح. فمنذ عقود، لم يقتصر دور النادي والمهرجان على النشاط الثقافي التقليدي، بل قدّما قراءة وطنية وثقافية واسعة للتاريخ الأردني، والمدينة الأردنية والعربية، كما ناقشا قضايا البيئة وسبل المحافظة عليها، بعيدًا عن الانغلاق أو الانتقائية.
وسعى المهرجان، عبر ندواته الفكرية والثقافية، إلى إبراز الشخصيات الوطنية الأردنية من الرجال والنساء الذين أسهموا في بناء الدولة الأردنية وتطورها السياسي والاجتماعي، ومواقفهم من القضايا القومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما استعرض محطات مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الأردنية، وأدوار شخصيات وطنية بارزة، مثل الشيخ ماجد العدوان، وحسين باشا الطراونة، أول رئيس للمؤتمر الوطني الأردني، ووصفي التل، إضافة إلى تجارب التيارات القومية واليسارية، وفي مقدمتها تجربة الدكتور عبد الرحمن شقير وقيادته للجبهة الوطنية في خمسينيات القرن الماضي، إلى جانب استعراض مواقف الأحزاب الوطنية ودورها في الحياة السياسية.
ولم يتردد المهرجان في تناول محطات سياسية حساسة في تاريخ الدولة الأردنية، من بينها تجربة حكومة سليمان النابلسي، التي ينظر إليها كثيرون بوصفها أول حكومة وطنية ديمقراطية ذات برنامج سياسي واضح، وما أعقب إنهاء تجربتها من فرض الأحكام العرفية، الأمر الذي أدخل البلاد في مرحلة طويلة من الأزمات السياسية وتقييد الحياة الحزبية والعامة.
كما ناقش المهرجان، عبر برامجه وندواته، قضايا التعددية السياسية، وأدوار الحكومات المتعاقبة في إلغاء أو تهميش الطرف الآخر والرأي المخالف، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن بناء الدولة الحديثة والديمقراطية لا يكتمل إلا بالاعتراف بالتنوع السياسي والفكري واحترام الاختلاف، وأن قوة الدولة تتعزز باتساع مساحة المشاركة والحوار، لا بتضييقها.
وفي السياق ذاته، أولى مهرجان الفحيص اهتمامًا خاصًا بقضايا المرأة الأردنية ودورها في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، مسلطًا الضوء على إسهامات النساء الأردنيات في مختلف الميادين، ومؤكدًا أن السردية الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تكتمل من دون حضور المرأة كشريك أساسي في بناء المجتمع والدولة.
وبهذا المعنى، لم يكن دور نادي شباب الفحيص ومهرجانه مجرد توثيق ثقافي أو تنظيم فعاليات فكرية، بل كان مساهمة مبكرة في تقديم قراءة أوسع للتاريخ الأردني، تقوم على الحوار لا الإقصاء، وعلى التعدد لا الاختزال، وتسعى إلى إعطاء مختلف المكونات الوطنية حقها في الذاكرة الوطنية، بما يعكس تنوع التجربة الأردنية وثراءها.
ورغم هذا السبق، لم تحظ هذه التجربة بالاهتمام الذي تستحقه إلا في مرحلة لاحقة، عندما أصبح مفهوم "السردية الأردنية" محورًا للنقاش العام، وبدأت الدعوات تتزايد نحو كتابة رواية وطنية أكثر شمولًا واستيعابًا لمختلف التجارب والتيارات التي أسهمت في بناء الدولة والمجتمع.
ومن هنا يمكن القول إن نادي شباب الفحيص ومهرجان الفحيص قدّما، منذ عشرات السنين، نموذجًا عمليًا لسردية وطنية متوازنة، تقوم على الاعتراف بمختلف المكونات السياسية والاجتماعية والثقافية، وتجعل من الذاكرة الوطنية مساحة مشتركة تتسع للجميع، لا رواية مغلقة يحتكرها طرف واحد. وربما لهذا السبب تبدو تجربة الفحيص اليوم أكثر راهنية، لأنها سبقت النقاش الدائر حول السردية الأردنية، وقدمت تطبيقًا عمليًا لها قبل أن يتحول المصطلح نفسه إلى عنوان متداول في الخطاب السياسي والثقافي.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن ترسيخ سردية وطنية أردنية جامعة تستوعب مختلف التجارب والروايات دون إقصاء، وتحول التنوع إلى مصدر قوة في بناء الهوية الوطنية؟ لعل تجربة نادي شباب الفحيص ومهرجان الفحيص تقدم واحدة من أهم الإجابات العملية على هذا السؤال.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.


