د. حازم قشوع
في آخر ظهور لظاهرة باراسيلينا، بدا القمر محاطًا بهالتين مضيئتين على جانبيه، في مشهد سماوي تفسره علوم الفلك بانكسار ضوء القمر عبر بلورات الجليد في السحب العالية. القمر واحد، لكن الهالة تبدو وكأنها تضاعف صورته. ومن هنا تأتي الدلالة السياسية لتكون حاضرة فالمشكلة ليست دائمًا في الحقيقة وإنما في الصور المتعددة التي تحيط بها...وهذا هو حال أمريكا اليوم، التي تبدو وكأنها تعيش أجواء قمرية استثنائية، تظهر فيها باراسيلينا سياسية عبر حقيقة أمريكية واحدة تحيط بها هالات متعددة من الهويات والروايات والانتماءات.
فالولايات المتحدة لا تعيش فقط انقسامًا بين الجمهوريين والديمقراطيين وإنما تواجه انقسامًا أعمق حول مكانة المواطن الأمريكي نفسه، ومعيار المواطنة الذي بات يتقاطع مع الهوية العرقية والفرعية، والأصل والهجرة والدين والثقافة، باعتبارها محددات متزايدة للانتماء السياسي والاجتماعي.
فأمريكا التي قامت على فكرة المواطنة القادرة على جمع أعراق وأصول مختلفة، تواجه اليوم صعودًا متزايدًا لسياسة الهوية الفرعية. وأصبح السؤال الانتخابي لا يتعلق فقط بمن يملك البرنامج الأفضل، وإنما بمن يمثل هذه الجماعة أو تلك، ومن يشعر بأنها أكثر تهديدًا أو تهميشًا أو فقدانًا لمكانتها.
وهنا يظهر الانقسام بين أمريكا المواطنة وأمريكا الهويات.
الأولى ترى أن الأمريكي هو من تجمعه الدولة والقانون والدستور والحقوق والواجبات، بصرف النظر عن أصله. أما الثانية فتنظر إلى السياسة من خلال خرائط الانتماء الوانه حيث الأبيض والأسود، مهاجر وأصيل، شرق وغرب، محافظ وليبرالي، وجماعات تتنافس على تعريف الانتماء ودرجة الولاء.
حيث تبرز الحاجة إلى مفهوم آخر أكثر إنسانية واتساعًا، هو «أنسنة المواطنة»؛ أي إعادة المواطن إلى مركز الدولة باعتباره إنسانًا كامل الحقوق والكرامة قبل أن يكون رقمًا انتخابيًا أو عنوانًا عرقيًا أو تمثيلًا لجماعة فرعية. فأنسنة المواطنة لا تلغي الهوية ولا تنكر التنوع، وإنما تجعل الإنسان والمواطنة الإطار الأعلى الذي تتعايش داخله الهويات المختلفة.
ومن هنا تصبح الانتخابات مرآة لهذا الانقسام. فكل طرف لا يريد فقط الفوز بالحكم، بل يريد أن يرى أمريكا بالصورة التي يؤمن بها. ولهذا تتضخم الهالات الإعلامية حول الواقع، ويصبح الحدث الواحد قابلًا لأن يُقرأ باعتباره انتصارًا لجماعة وهزيمة لأخرى، فتتحول المعركة الانتخابية من منافسة سياسية إلى صراع على تعريف أمريكا نفسها.
أما السياسة الخارجية، فانها تدخل ايضا من الباب نفسه. فالحرب والهجرة والعلاقة مع الصين وأوروبا والشرق الأوسط لم تعد قضايا خارجية خالصة، بل أصبحت مرتبطة بصورة أمريكا عن نفسها وتبين استفسار يقول هل امريكا قوة عالمية تقود النظام الدولي، أم دولة تريد الانكفاء إلى الداخل؟ وهل «أمريكا أولًا» تعني حماية المواطن الأمريكي، أم إعادة تعريف علاقة أمريكا بالعالم؟ الامر الذى يحول السياسة الخارجية
إلى امتداد للصراع على الهوية الداخلية، بينما تصبح أنسنة المواطنة محاولة لإعادة التوازن بين الدولة والإنسان؛ بحيث
لا يصبح المواطن مجرد أداة في معركة انتخابية، ولا تتحول هويته العرقية أو الثقافية إلى معيار لدرجة وطنيته أو استحقاقه السياسي.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى قوة خارجية تحافظ على مكانتها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى توافق داخلي يمنح هذه القوة شرعيتها. وإذا أصبح المجتمع منقسمًا حول تعريف المواطنة نفسها، فإن أي حرب أو أزمة خارجية يمكن أن تتحول سريعًا إلى وقود للانقسام الداخلي...وهنا تكمن دلالة باراسيلينا؛ فالقمر يمثل الحقيقة الأمريكية المشتركة، بينما تمثل الهالات صور أمريكا المتعددة: أمريكا العرق، وأمريكا المواطنة، وأمريكا المحافظين، وأمريكا الليبراليين، وأمريكا المهاجرين، وأمريكا النخب، وأمريكا المواطن الذي يشعر أن بلاده لم تعد تشبه الصورة التي عرفها...لكن الدولة لا تستطيع أن تستمر إذا أصبح لكل جماعة «أمريكا» خاصة بها.
فالقوة الأمريكية التاريخية لم تكن في أن المجتمع متشابه، وإنما في قدرته على تحويل الاختلاف إلى مواطنة مشتركة. وإذا تراجعت هذه القاعدة، تصبح التعددية مصدر قوة أقل، ومصدر استقطاب أكثر.وهذا ما يجعل الاختبار الحقيقي لأمريكا ليس فقط في انتخابات الكونغرس أو الرئاسة، ولا في مواجهة الصين أو إيران، وإنما في سؤال أبسط وأعمق ..هل يستطيع الأمريكيون المختلفون عرقيًا وثقافيًا وسياسيًا أن يتفقوا على أنهم مواطنون في دولة واحدة قبل أن يكونوا جماعات مختلفة داخلها؟
وهنا تتقدم أنسنة المواطنة باعتبارها مشروعًا يتجاوز الصراع بين العرق والمواطنة؛ فهي لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن أصله أو ثقافته أو جذوره، وإنما تطلب ألا تتحول هذه الجذور إلى حدود تفصل المواطن عن مواطن آخر...فإذا كانت المواطنة هي الإطار، والإنسان هو القيمة، والدستور هو المرجعية، تصبح الهويات المتعددة مصدر ثراء للدولة. أما إذا تحولت الهويات إلى موازين للولاء والاستحقاق، فإن المواطنة تبدأ بالتجزؤ.
وهذا ما يجعل التجربة الأمريكية ذات صلة بما يحدث في بعض المجتمعات الإقليمية حيث أدى صعود الهويات العرقية والمذهبية والمناطقية، بدرجات مختلفة، إلى إضعاف فكرة الدولة الجامعة، كما ظهر في السودان والعراق وليبيا واليمن وسوريا وغيرها.
ولا يعني ذلك أن التجربة الأمريكية مطابقة لهذه التجارب، وإنما تكمن المقارنة في الآلية عندما تصبح الهوية الفرعية أقوى من الهوية الوطنية، تبدأ الدولة في فقدان قدرتها على إنتاج شعور مشترك بالانتماء..وهنا تتحول أنسنة المواطنة من مفهوم سياسي إلى ضرورة استراتيجية هذا لأن الدولة لا تحميها كثرة الهويات، وإنما قدرتها على تحويل هذه الهويات المختلفة إلى مواطنين متساوين أمام القانون.
ولهذا فإن باراسيلينا السياسية ليست في السماء وحدها، بل أصبحت حاضرة فوق أمريكا أيضًا عبر قمر واحد تصوره هالات متعددة، ومواطنة تبحث عن إنسانيتها.ويبقى السؤال الذي قد يحسم مستقبل القوة الأمريكية هل تنتصر المواطنة على العرق، أم ينتصر العرق على المواطنة؟ وهل تستطيع أمريكا أن تعيد أنسنة مواطنتها قبل أن تتحول هالات الهوية إلى جدران تفصل الأمريكيين عن بعضهم؟ فالمسألة في النهاية ليست من يحكم أمريكا، وإنما أي أمريكا ستبقى بعد ذلك ولمن ستكون؟