“الأربعاء الأحمر”.. طقوس إيزيدية تعكس رمزية الخلق وتجدد الحياة
أشعل الإيزيديون في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا قناديلهم احتفاء بـ”الأربعاء الأحمر”، رأس السنة الإيزيدية، في طقوس دينية واجتماعية تعكس حضور هذا المكون وتمسكه بعاداته.
وتجمّع المحتفلون في مزار “دياري فلكي” بريف الحسكة، حيث أُضيئت القناديل وأُقيمت احتفالية تخللتها أغانٍ تراثية ولقاءات اجتماعية، فيما تبادل المشاركون البيض الملون مع بقية مكونات المنطقة، في مشهد يعكس تداخل الطقوس الدينية مع الحياة اليومية.
احتفالات تمتد بين القرى والمزارات
بدأت طقوس الاحتفال في “البيت الإيزيدي” بقرية أوتلجة، حيث أُشعلت القناديل (جرا)، قبل أن يتوجه المحتفلون إلى مزار دياري فلكي، بمشاركة إيزيديين من القحطانية والحسكة وعامودا.
ومن المقرر أن تستمر الفعاليات خلال الأيام المقبلة، عبر احتفالية في قرية دوكر بريف عامودا، بمشاركة فرق فنية تراثية وفنانين محليين، في إطار إحياء العادات المرتبطة بهذه المناسبة.
وتشمل مظاهر الاحتفال أيضًا تلوين البيض وتزيين أبواب المنازل بالزهور الربيعية وقشور البيض، إضافة إلى تبادل الزيارات والتهاني بين الأهالي.
طقوس تحمل دلالات دينية
بحسب ما أوضحه الباحث الاجتماعي الدكتور أحمد العلي، فإن “الأربعاء الأحمر” يُعد من أبرز الأعياد لدى الإيزيديين، ويرتبط في معتقدهم ببداية الخلق وتجدد الحياة.
وقال الباحث لعنب بلدي إن “الإيزيديين ينظرون إلى هذا اليوم على أنه اليوم الذي خُلق فيه طاوسي ملك من نور الله، وهو الملاك الأسمى في عقيدتهم، كما يربطون العيد ببداية تشكّل الكون وفق روايتهم الدينية”.
وأضاف أن “يوم الأربعاء يتمتع بقدسية خاصة لدى الإيزيديين، لذلك يمتنع كثير منهم عن العمل أو القيام ببعض الأنشطة اليومية، احتراماً لهذه المناسبة”.
وأشار الباحث إلى أن “الطقوس المرتبطة بالعيد، مثل إشعال القناديل وتلوين البيض، تحمل رمزية دينية واجتماعية، تعكس مفاهيم النور والتجدد وبداية دورة جديدة للحياة كما يراها الإيزيديون”.
رمزية الطبيعة في روايات المحتفلين
يربط الإيزيديون عيدهم ببداية الربيع، وهو ما ينعكس في الطقوس المرتبطة بالزهور والألوان.
وقال خليل فرمان، أحد أبناء المجتمع الإيزيدي في الحسكة، إن “المعاني الحقيقية للعيد تختلف عما يُشاع عنه”.
وأضاف خليل، لعنب بلدي، “هناك بعض الأطراف التي تقول إن الأربعاء الأحمر مرتبط بالحروب، لكن المعنى الحقيقي، كما نؤمن به، هو أنه عندما جاء طاووس ملك إلى الدنيا بدأت حياة جديدة”.
من جهتها، أوضحت ليلى مير أن طقوس تلوين البيض تحمل دلالات رمزية متعددة، قائلة: “نقوم بتلوين البيض بألوان مختلفة، وكل لون له معنى بالنسبة لنا، فاللون الأبيض يرمز إلى السلام، والبيضة الحمراء ترمز إلى اللحظة التي بث فيها طاوسي ملك الروح والدم في جسد آدم، وهو ما يعني بداية الحياة”.
أما سعيد خضر، فربط المناسبة بالجانب الاجتماعي، مشيرًا إلى أن الاحتفال يتجاوز الإطار الديني، وقال: “نحن نعيش معًا في هذه المنطقة، ولا يوجد فرق بين الكرد والعرب والسريان، والأعياد مثل نوروز وأكيتو والأربعاء الأحمر تُظهر هذا التكاتف بين المكونات”.
طقوس متوارثة عبر الأجيال
وبحسب الباحث أحمد العلي، فإن العديد من هذه الطقوس “تعود إلى جذور قديمة في المنطقة”، موضحًا أن “الإيزيديين ينظرون إلى شهر نيسان بوصفه فترة مقدسة، لذلك يمتنعون خلاله عن بعض الأنشطة مثل الزواج أو حفر الأرض، باعتباره زمنًا مخصصًا لتجدد الطبيعة”.
وأضاف أن “الرقم أربعة يحظى بحضور رمزي في المعتقد الإيزيدي، إذ يربطه البعض بالتوازن الكوني ومراحل الحياة والعناصر الأساسية، وفق ما يتداول في التراث الديني لديهم”.
كما أشار إلى أن “إشعال القناديل في معبد لالش بالعراق، بعدد أيام السنة، يُعد من أبرز الطقوس المركزية، ويُعاد تمثيله محليًا في مناطق وجود الإيزيديين، كما حدث في الحسكة”.
بين الطقوس والهوية
يرى الباحث أن استمرار هذه الاحتفالات “يعكس تمسك المجتمع الإيزيدي بهويته الثقافية والدينية”، لافتًا إلى أن “المناسبات الدينية تشكل فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع، وكذلك مع بقية المكونات”.
وقال إن “الاحتفال لا يقتصر على الشعائر، بل يتضمن زيارات وتبادل تهانٍ، ما يعزز حضور هذه المناسبة في الحياة اليومية للإيزيديين”.
الإيزيديون في سوريا
يُعد الإيزيديون من المكونات الدينية التاريخية في سوريا، ويتمركز وجودهم بشكل أساسي في محافظة الحسكة، إلى جانب مناطق أخرى في الشمال السوري.
وخلال السنوات الماضية، واجه هذا المجتمع تحديات متعددة، من بينها النزوح والهجرة وتراجع الأعداد، إلا أنه لا يزال يحافظ على طقوسه الدينية وتقاليده الاجتماعية.
وبحسب الباحث أحمد العلي، فإن “الأعياد مثل الأربعاء الأحمر تمثل إحدى الوسائل التي يحافظ من خلالها الإيزيديون على هويتهم، عبر نقل هذه الطقوس إلى الأجيال الجديدة”.
وأضاف أن “استمرار هذه الاحتفالات، رغم الظروف، يعكس أهمية البعد الثقافي والديني في حياة هذا المجتمع، ودوره في الحفاظ على تماسكه”.
يظهر “الأربعاء الأحمر” في الحسكة بوصفه مناسبة تجمع بين الطقوس الدينية والتقاليد الاجتماعية، حيث يعبّر الإيزيديون، من خلال القناديل والألوان والزيارات، عن فهمهم الخاص لبداية الحياة وتجددها، كما يروونه في معتقدهم وتراثهم المتوارث.





