العلم الذي نحتاجه
بقلم/ محمد بوخروبة
نحن لا نعيش أزمة تعليم بقدر ما نعيش أزمة فهم لمعنى العلم ذاته، فالعلم في وجدان كثيرين لم يعد ذلك المشروع الإنساني الواسع الذي يحرر العقول ويعيد تشكيل الواقع، بل تحول في أفضل أحواله إلى شهادة تعلق على الجدران أو وظيفة تؤمن لقمة العيش أو سلمٍ اجتماعي يصعد بصاحبه درجة أو درجتين في مجتمع يزداد اختناقًا.
هذا الاختزال الكارثي للعلم هو أحد أخطر أمراضنا العربية، وهو في الحالة الليبية أكثر فداحة وتعقيدًا، لأننا هنا لا نواجه فقط تراجعًا تعليميًّا أو ضعفًا في المؤسسات، بل نواجه حالة مركبة من فقدان المعنى وانقطاع الصلة بين المعرفة والحياة، بين ما نتعلمه وما نعيشه، بين ما نلقن به وما نحتاجه فعلًا لننهض.
لقد تربَّت أجيال كاملة على أن الغاية من التعليم هي النجاح بمعناه الضيق، اجتياز الامتحان ونيل الشهادة ثم البحث عن وظيفة غالبًا حكومية توفر الاستقرار، وهكذا أفرغ العلم من جوهره، وتحول إلى مسار بيروقراطي طويل لا يفضي إلى الإبداع ولا إلى التغيير ولا حتى إلى فهم أعمق للواقع.
في ليبيا تبدو الصورة أكثر قسوة، فالدولة التي أنهكتها الانقسامات والصراعات لم تترك للعلم مساحة ليكون قوة دافعة للتغيير، بل صار التعليم نفسه انعكاسًا للفوضى العامة، مدارس تفتقر إلى الحد الأدنى من البيئة التعليمية، جامعات تعاني من ترهل إداري، ومناهج لا تزال أسيرة عقود مضت، كأن الزمن توقف عند لحظة لم تعد موجودة.
لكن الأخطر من ذلك كله هو الوعي الجمعي الذي تشكل حول العلم، لم يعد الطالب يسأل ماذا سأفعل بما أتعلمه؟ بل يسأل ماذا سأجني منه؟ ولم يعد المجتمع ينظر إلى العالم أو الباحث بوصفه صانعًا للمستقبل، بل بوصفه موظفًا مؤجلًا أو مهاجرًا محتملًا.
هذا التحول ليس بريئًا، إنه نتيجة تراكم طويل من السياسات الفاشلة، ومن الخطابات التي مجدت الشكل على حساب المضمون، ومن ثقافة عامة كرست الخضوع للواقع بدل تغييره، لقد تم تدجين الطموح وترويض الأحلام، حتى صار من يطمح إلى التغيير يبدو كأنه حالم ساذج أو خارج عن السياق.
وهنا تكمن المأساة حين يفقد الجيل الجديد إيمانه بقدرة العلم على التغيير، فإنه يفقد في الوقت نفسه إيمانه بنفسه.
نحن بحاجة إلى جيل جديد، لكن ليس بالمعنى البيولوجي، بل بالمعنى الفكري، جيل يعيد تعريف العلم ليس كوسيلة للنجاة الفردية، بل كأداة للتحرر الجماعي، جيل يرفض أن يكون مجرد رقم في طابور الخريجين أو اسمًا في كشوفات التوظيف أو صوتًا صامتًا في واقع يزداد عبثًا.
جيل يفهم أن العلم ليس ما يلقن، بل ما يسائل، ليس ما يحفظ، بل ما ينتج، ليس ما يستخدم لتجميل الواقع، بل ما يستخدم لفضحه وإعادة تشكيله.
في العالم العربي تواجه هذه الفكرة مقاومة شرسة، لأن أي مشروع حقيقي للعلم هو بالضرورة مشروع نقدي.
أما في ليبيا فالتحدي مضاعف، لأننا لا نحتاج فقط إلى إصلاح التعليم، بل إلى إعادة بناء الثقة في فكرة المستقبل نفسها، فكيف يمكن لشاب أن يؤمن بقيمة العلم، وهو يرى بلاده غارقة في أزماتٍ لا تنتهي؟ وكيف يمكن لطالبة أن تحلم بدور فاعل وهي تواجه يوميًّا واقعًا يقلص من إمكانياتها؟
علينا أن نتوقف عن تحميل الظروف كل المسؤولية، نعم الواقع صعب، لكن تحويله إلى ذريعة دائمة هو شكلٌ من أشكال الهروب، الأهم من ذلك أننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار للفرد المفكر، ذلك الذي يقرأ خارج المنهج ويسأل خارج السياق ويجرؤ على الاختلاف، هذا الفرد هو نواة أي تغيير حقيقي، حتى لو بدا في البداية معزولًا أو مهمشًا.
لا يمكن لأي نهضة أن تقوم على جموع متشابهة في تفكيرها، خائفة من السؤال، مترددة في الفعل، النهضة تبدأ دائمًا من قلة تزعج السكون وتحرك المياه الراكدة.
وفي هذا السياق يصبح دور الإعلام والثقافة حاسمًا، فبدلًا من إعادة إنتاج الخطابات التقليدية، علينا أن نفتح مساحات للنقاش الحقيقي، وأن نسلط الضوء على النماذج التي تجسد هذا الفهم الجديد للعلم، لا نريد قصص نجاح سطحية، بل نريد تجارب تظهر كيف يمكن للمعرفة أن تغير الواقع حتى في أصعب الظروف.
نحن لا نفتقر إلى العقول، بل نفتقر إلى البيئة التي تحرك هذه العقول، ولا نفتقر إلى الإمكانيات بقدر ما نفتقر إلى الإرادة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، ليس الفقر أو الاضطراب، بل القبول بهما كقدَر لا يرد، وهذا بالضبط ما يجب أن يرفضه الجيل الجديد.
جيل لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يسعى إلى تفكيكها، لا يهرب من الواقع، بل يواجهه بأدوات المعرفة، لا ينتظر التغيير، بل يبدأه ولو بخطوات صغيرة.
قد يبدو هذا الطموح كبيرًا وربما مثاليًّا، لكنه في الحقيقة أقل ما نحتاجه، لأن البديل هو الاستمرار في الدوران داخل نفس الحلقة، تعليم بلا معنى، وظائف بلا أثر، وحياة بلا أفق.
لقد آن الأوان لأن نستعيد المعنى الحقيقي للعلم كفعل مقاومة، كأداة تحرر، كطريق نحو حياة أكثر كرامة وعدلًا.
وآن الأوان أيضًا لأن ندرك أن التغيير لا يأتي من الخارج، ولا يمنح من أحد، بل يصنع بصمت أحيانًا، وبصخب أحيانًا أخرى داخل عقول قررت أن ترى وأن تفهم وأن ترفض أن تبقى كما هي.
The post العلم الذي نحتاجه appeared first on الموقف الليبي.



