ابخسوا بعض الناس أشياءهم!
ابخسوا بعض الناس أشياءهم!
د. علي المستريحي
شقة عمرها 20 سنة، ويزيد، بمساحة متواضعة، وبتوزيع غرف ليس الأمثل، على شارع مزدحم، في ظل سوق راكد للعقارات، والكثير من منها معروض بالمزاد بسبب تقصير أصحابها عن مواصلة السداد للبنوك للظروف الصعبة لهم وللبلد (ظاهرة العرض بالمزاد زادت كثيرا مؤخرا)، ثم تسأل عن السعر، فيقولون لك 98 ألفا (مضافا إليها 2%عمولة مكتب)!! أي والله هذا كثير .. ثم يقولون لك: “لا تبخسوا الناس أشياءهم”!!
في مثل هذه الحالات (وهي متكررة)، وبكل ثقة وراحة ضمير، ندعو لتبخيس السعر دون تردد! لمثل هذه الشقة، اعرضوا نصف السعر، هذا يكفي، وذلك عقابا لمثل هؤلاء .. وكما يقال: “لا تبخسوا الناس أشياءهم”، أيضا نقول: “لا تجرموا الناس أشياءكم” ..
أغلب البلاد التي نسميها “بلاد الكفر” لديهم قاعدة تقول: أن الشيء المستخدم الذي تعرضه للبيع، ولو كان عمره يوما واحدا، وكتقدير أولي، ودون تردد، يجب ألا يزيد سعره عند إعادة بيعه عن 50% من سعره عند شرائه جديدا (اللّهم إلا بحالات استثنائية، وفقط بالأشياء التي تبقى قيمتها ثابتة أو تزيد مع الوقت، وهي حالات قليلة أصلا) .. ببساطة، لأن شراء الشيء الممتلك سابقا، يحدد خيارات المشتري بالنوع واللون والمكان .. الخ، ناهيك عن تقادمه واستهلاكه (يسمى اقتصاديا Depreciation)، وهي الخيارات المتوفرة جميعها للمشتري بحالة الجديد ..
نفهم أن كيمياء الأردني وسيكولوجيته لا تميل لفكرة البيع أصلا! ومن تجربتنا ببلاد الاغتراب، ودون مبالغة، كنا نجد أننا نكاد نكون الوحيدين بين الأمم الذين إذا أرادوا بيع شيئا امتلكوه، طلبوا سعرا أقرب لسعر شرائه أول مرة (وأحيانا بهامش ربح أيضا!) .. الاستثناء الوحيد لدينا هنا هم الباعة بسوق الجمعة، هؤلاء هم أنقى الناس وأكثرهم تواضعا رغم حاجتهم!!
عندما قررنا العودة للوطن بعد الاغتراب، تخلصنا من معظم أشيائنا التي لم نكن نحتاجها بأقل من ربع قيمتها، وكثرٌ منها وُزّع بالمجان، وبعضها صدقة بإيداعها بحاويات الجمع الخاصة بالبلدية المنتشرة بالأحياء. وطبعا هذه ليست دعوة منا للتخلص من الأشياء بأي ثمن، بل حافزا للنظر إلى الأمر من زوايا أخرى، ولمن استطاع لذلك سبيلا.
على كل حال، فكرة شراء شقة أصلا من أكثر الأفكار غير المريحة وغير العقلانية للكثيرين، هو فقط أن البديل (من خلال فكرة البناء من جديد، وما يتطلبه ذلك من التعامل المتعب مع “الصنايعية”، وفئة منهم من “العالم السفلي”!)، يستنزفنا ويمكن أن يسبب لنا جلطة!
بالمناسبة، وعلى الهامش، قصة مكاتب العقارات قصة طويلة وتحتاج حلقات .. هذه المكاتب (في أغلبها) هي أكثر الأشياء لدينا تعاني من الفوضوية وضعف التنظيم، وتحتاج، مع الكثير ممن يعملون بها، نفضا كاملا وإعادة هيكلة من جديد من خلال وضع منظومة قانونية مهنية أخلاقية، بالإضافة لنظم رقابية تضبط هذا القطاع وتحفظ حقوق الناس وحقوق العاملين فيها من المصرح لهم فقط بالعمل بهذه المهنة.
هذا المحتوى ابخسوا بعض الناس أشياءهم! ظهر أولاً في سواليف.




