لا يوجد اثنين أو ثلاثاء أو أربعاء. هناك فقط يوم آخر - ضابط صف أول متقاعد من البحرية الأمريكية. في الأخبار، تتجه حاملة الطائرات الأمريكية «جورج واشنطن» إلى المنطقة لتحل محل «أبراهام لينكولن»، التي شاركت في العمليات العسكرية ضد إيران، وسجلت رقمًا قياسيًا للبحرية الأمريكية ببقائها في البحر 207 أيام متواصلة، وعلى متنها خمسمائة بحّار. إلى هنا يبدو الخبر عاديًا، لكن الخبر المهم يأتي خلف هذا الخبر. فبحسب التقارير، جاء الاستبدال وسط تذمر متزايد من البحّارة وعائلاتهم بسبب تدهور الظروف المعيشية على متن الحاملة. وتحدثت شهادات عن نقص حاد في الغذاء؛ إذ قالت إحدى الأمهات إن ابنها أخبرها بأن حصته اليومية لم تكن تتجاوز نصف كوب من الأرز ورغيفي خبز. كما شكت عائلات من مراحيض معطلة، ودشّات يغطيها العفن، ونقص في مواد النظافة، وتوقف خدمة غسيل الملابس لأسابيع، وطوابير طويلة أمام متجر السفينة الذي كانت تنفد منه حتى مستلزمات أساسية كمعجون الأسنان ومزيل العرق. ولم تقف الأزمة عند حدود المعيشة؛ فالأخطر كان الإرهاق الشديد وتدهور الحالة النفسية للبحّارة، إلى حد ورود تقارير عن محاولات للقفز من على متن السفينة تحت وطأة الاكتئاب والضغوط. ووفقًا لشبكة السي ان ان، سقط أحد البحّارة بالفعل في البحر. وقد دفعت هذه الأوضاع عائلات البحّارة إلى تقديم شكاوى لأعضاء في الكونغرس، ومع تصاعد الاهتمام الإعلامي، عقد وزير البحرية الأمريكي لقاءً مع الأهالي، فيما فتح الكونغرس تحقيقًا في القضية. برأيي، يمكن قراءة هذه القصة من زاويتين. الأولى هي ما تكشفه عن الضغوط المتزايدة على القوة البحرية الأمريكية. فعلى الرغم من امتلاك البحرية 11 حاملة طائرات نووية، فإن عدد الجاهز منها فعليًا للقتال أقل بكثير، بسبب دورات الصيانة والتدريب والانتشار وإعادة التأهيل الطويلة. وقد أظهرت حرب إيران هذا القيد بوضوح، بعدما اضطرت واشنطن في نيسان الماضي إلى نشر ثلاث حاملات في المنطقة في الوقت نفسه، مستنزفة بذلك جزءًا مهمًا من جاهزية الأسطول. فـ«جيرالد فورد» عادت من انتشار استثنائي ودخلت الصيانة، و«جورج بوش» لا تزال في الشرق الأوسط، بينما تجاوز انتشار «أبراهام لينكولن» مدته المعتادة بكثير، في حين تخضع حاملات أخرى للصيانة أو تفتقر إلى الجاهزية اللازمة للانتشار. والأكثر دلالة أن البحرية لم تجد حاملة احتياطية جاهزة لإراحة «لينكولن»، فاضطرت إلى سحب «جورج واشنطن» من اليابان، أي من القوة المخصصة لردع الصين في المحيط الهادئ. ومع استمرار الاستخدام المكثف للحاملات، وتأجيل الصيانة، وإرهاق الأطقم، قد تتحول هذه الضغوط إلى فجوات أكبر في جاهزية الأسطول خلال عام 2027 إذا طال أمد الحرب. أما الزاوية الثانية، وهي الأهم، فتتعلق بمستقبل حاملة الطائرات نفسها. فقد يكون عصرها، بوصفها أحد أبرز رموز القوة والهيمنة والهيبة الأمريكية، قد بدأ بالأفول. فالحروب الحديثة، بما أدخلته من صواريخ وطائرات وغواصات مسيّرة منخفضة الكلفة، إلى جانب أنظمة الاستطلاع والاستهداف المتطورة، جعلت تجميع قوة هائلة في منصة واحدة باهظة الثمن أكثر خطورة وكلفة من السابق وأقل فعالية. فالحاملة التي كانت تقترب من سواحل الخصم لفرض الردع واستعراض القوة، باتت اليوم تحتاج هي نفسها إلى منظومة ضخمة من الحماية والإمداد. وهنا تكمن المفارقة: أن أحد أبرز رموز الهيمنة العسكرية الأمريكية قد يتحول تدريجيًا من أداة تمنح واشنطن حرية الحركة وإسقاط القوة، إلى عبء يتطلب تخصيص موارد هائلة لحمايته وإبقائه قادرًا على العمل ولم يعد بالاهمية ذاتها في الحروب، وهذا لا يعني أن حاملات الطائرات ستختفي قريبًا، بل إن قدرتها على أداء الدور المهيمن الذي لعبته طوال العقود الماضية تبدو آخذة في التراجع. ــ الدستور




