من أساسيات علم الجرح والتعديل أن الباحث عن الحقيقة لا يكتفي بالنص الذي بلغه أو المحتوى ، ولا يطمئن إلى اسم الراوي لمجرد أنه معروف بين الناس ، بقدر ما يتتبع سلسلة الرواة ، واحداً بعد واحد ، حتى يصل إلى أصل الخبر ؛ ثم يسأل عن الرجل : من هو؟ ، وأين عاش؟، ومن لقي؟ ، ومن أخذ عنه؟ ، وما منزلته بين الناس؟ ، وكيف كانت سيرته؟ ، وهل عُرف بالصدق والأمانة ، أم كان ممن يتساهلون في النقل أو يغلب عليهم الهوى؟ ..
وكان طالب الحديث في سبيل ذلك يركب دابته ، ويقطع الفيافي والقفار ، ويحتمل مشقة السفر وطول الطريق ، لا لشيء إلا ليتثبت من كلمة ، أو يتأكد من لقاء راوٍ براوٍ ، أو يميز بين رواية صحيحة وأخرى دخلها الوهم والشك .
كان الزمن حين ذاك شاقاً ، لكن الحقيقة كانت تستحق جهد المشقة .
أما اليوم ، في زمن السوشال ميديا ، فقد تغيرت المسألة ، صار الخبر يصل إلينا في أقل من ثانية ، وصار الراوي حساباً إلكترونياً ، والصحيفة رابطاً ، والسند سلسلة من المشاركات وإعادة النشر ، ولم يعد الباحث يركب دابته إلى البصرة أو الكوفة ، بل يكفيه أن يضغط زرّاً؛ فينتقل الخبر من هاتف إلى هاتف ، حتى يصبح كثرة تداوله عند بعض الناس دليلاً على صحته ! ؛ وهنا تبدأ المشكلة .
إن خوارزميات العالم الرقمي تستطيع أن تتتبع الانتشار ، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تتتبع الأمانة ؛ تستطيع أن تخبرك كم مرة نُشر الخبر ، ومن أعاد نشره ، وأين بلغ ، ومن أكثر الناس تأثيراً في تداوله ؛ لكنها لا تستطيع أن تعرف ، كما كان يفعل علماء الجرح والتعديل ، هل هذا الناقل صادق حين ينقل؟ ، وهل غلب عليه الهوى؟ ، وهل نقل ما رأى ، أم ما أراد للناس أن يروه؟ ، وهل كان حاضراً في الواقعة ، أم نقلها عن ناقل آخر ، أم نقلها عن صفحة نقلتها عن صفحة أخرى ، حتى ضاعت العين الأولى للسند في زحام النسخ والتكرار؟ ..
والأغرب من ذلك أن الرجل في السوشال ميديا ليس بالضرورة هو الرجل في الأزقة والشوارع والبيوت ؛ قد يكون هادئاً في مجلسه ، عاقلاً في حديثه ، متزناً في معاملاته ، ثم يتحول خلف الشاشة إلى شخص آخر ؛ أكثر غضباً ، وأشد يقيناً ، وأقل رحمة ، وأسرع اتهاماً .
وقد ترى حساباً يلبس صاحبه ثوب الحكمة ، بينما لا يعرفه جيرانه إلا على صورة مختلفة تماماً ؛ وهنا نفتقد شيئاً كان علماء الجرح والتعديل يعرفون قيمته جيداً : « معرفة الرجال » .
كانوا لا يكتفون بما يقوله الراوي عن نفسه ، لأن الإنسان أقدر الناس على صناعة صورته ، أما اليوم فقد أصبحت صناعة الصورة صناعةً قائمة بذاتها ؛ صورة يصنعها صاحب الحساب ، وتجمّلها الخوارزمية ، ثم تعيد المنصة تقديمها إلينا حتى نظن أننا عرفنا الرجل ، وما عرفنا إلا النسخة التي اختار أن يعرضها علينا .
لذلك فإننا في عصر السوشال ميديا بحاجة إلى شيء يشبه « الجرح والتعديل » ؛ لا للتشهير بالناس ، ولا لفتح أبواب التجسس عليهم ، وإنما لإعادة الاعتبار إلى منهج التثبت ؛ فليس كل مشهور ثقة ، وليس كل متابع دليلاً ، وليس كل صورة حجة ، وليس كل فيديو شاهداً ، وليس كل ما تكرر صدقه التكرار .
لقد كان السابقون يسافرون أياماً وليالي ليتثبتوا من رجل ؛ أما نحن ، فقد لا نحتاج إلى ركوب دابة أو ركوبة ، لكننا نحتاج إلى أن نملك فضيلة التريث قبل أن نركب موجة الخبر .
ففي زمنٍ أصبح فيه الكذب سريعاً إلى هذا الحد ، ربما أصبحت الحقيقة تحتاج إلى شيء من بطء القافلة القديمة للتأني والروية .