على صلابة صخرة الإسلام ستتحطم قرونهم وستتبدد أوهامهم
#سواليف
على صلابة صخرة الإسلام ستتحطم قرونهم وستتبدد أوهامهم
الشيخ كمال الخطيب
إن من ينظر ويتابع ويراقب الأحداث المتلاحقة والمتسارعة التي تزخر وتزدحم بها الساحة الإقليمية والعالمية من أقصاها إلى أقصاها، فإنه يستطيع بسهولة أن يتبين أن الإسلام هو في محور تلك الأحداث بل وفي صميمها، وأن الحقيقة التي يحاولون إخفاءها، أن الحرب إنما هي على الإسلام، وأن الكيد إنما هو على المسلمين.
إنه ذلك العداء والكيد الذي كان خفيًا لكنه ظهر اليوم بشكل جليّ حيث يسعون جاهدين ومجتمعين للإجهاز على الصحوة الإسلامية العالمية ولتنحية الإسلام عن العودة لقيادة البشرية، وقد وصف ربنا جلّ جلاله حقيقة ما يبطنون لما قال: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [8 سورة التوبة]، {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [119 سورة آل عمران].
ترى، فما هي العوامل والأسباب التي جعلتهم يخافون من الإسلام ويناصبونه العداء ويسخّرون كل إمكاناتهم المادية والعلمية والعسكرية لمحاربته والقضاء عليه {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [36 سورة الأنفال].
لماذا يخافون من الإسلام؟
إنهم يخافون من الإسلام لعلمهم أن صحوة الأمة الإسلامية ونهضتها ثم وحدتها، تهدّد الغرب دوله ومصالحه، ذلك أن في الإسلام خصائص ومزايا تمكّنهم من تشكيل تحدٍّ لأولئك الغرباء والدفاع والذود عن حياض الإسلام، فلهذا فإنهم يخافون من الإسلام.
إنهم يخافون من الإسلام لأن الإسلام بالنسبة لهم عقيدة انقلابية شاملة تفرض نفسها على أجندة المسلم من ساعة ميلاده إلى ساعة موته ودخوله القبر. فحياته تكون مشبعة بالإسلام ويلفّها الإسلام من كل جانب، وتأبى هذه العقيدة على المسلم أن يقبل الخضوع لأيّ أيديولوجية دينية أو مدنية شرقية أو غربية، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [162- 163 سورة الأنعام].
إنهم يخافون من الإسلام لأنه يربي أبناءه على العزّة ورفض الخوف والخضوع لأيّ من البشر أيّّا كان دينه ولونه، وأن المسلم على استعداد لبذل ماله وروحه من أجل دينه {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [ سورة المنافقون].
إنهم يخافون من الإسلام لأنه يربي أبناءه على أخوة الدين حيث تذوب الحدود والجغرافيا والجنس واللون، فيجتمع في بوتقة الإسلام ورابطته وأخوته المسلم البوسني والشيشاني والأندونيسي والعربي والتركي والكردي والهندي والأفغاني، إنها نفس البوتقة التي جمعت بين أبي بكر العربي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [3 سورة آل عمران].
إنهم يخافون من الإسلام لأنه يملك القدرة الفائقة على الانتشار والتوسع، حيث ساد الإسلام ربع الكرة الأرضية في أقلّ من نصف قرن، وقد قال في ذلك المستشرق الفرنسي -هاناتو- : “ها هو الإسلام قد تدلّى هلاله من طرفيه، طرف في إسطنبول وطرف في مكة، ووصل إلى البلاد التي هي مهد الإنسانية ومهد المسيحية ورفع أعلامه عليها، ووصل إلى غابات أفريقيا وصقيع سيبيريا، وإن عشرات ملايين المسلمين سيصبحون مئات الملايين، وهناك سيصبح الدعاء لله وليس لبوذا”.
من للأعداء إلا العلماء؟
إن كل هذه المزايا في الإسلام جعلت أعداءه يخافون منه. إن هذه المزايا والخصائص في الإسلام أقضّت مضاجع الغرب وطردت النوم من أجفانه حتى جعلت الكتّاب والسياسيين والمستشرقين والمبشّرين يطلقون تلك المخاوف على شكل صيحات إنذار وتحذير من المارد الذي نام طويلًا وبدأ يتململ.
يقول الكاتب الإنجليزي -يومان-: “إن شيئًا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، ولهذا الخوف أسباب منها: أن الإسلام ومنذ أن ظهر في مكة فإنه يزداد عدديًا وأنه دائمًا في ازدياد وتسارع، ثم أن الإسلام ليس دينًا فحسب، بل إنه دين، الجهاد ركن من أركانه، ولم يحدث في التاريخ أن شعبًا دخل في الإسلام ثم عاد إلى النصرانية”.
ويقول المستشرق -لورانس براون-: “إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية أمكنهم ذلك من أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا عليه، أما إذا بقوا متفرّقين فإنهم يظلّون بلا قوة ولا تأثير”. ومن هذا المنطلق كان سعيهم دائمًا لدقّ أسافين الفرقة بين المسلمين على شكل قوميات وألوان وأوطان.
ومما زاد في خوف الأوروبيين والغربيين وأعداء الإسلام، أن كلّ الثورات والدعوات التي ظهرت في العالم الإسلامي ودعت بل عملت لطرد المستعمرين والتحرّر من ظلمهم كانت بقيادة علماء الدين، وأن الحركات الإسلامية هي التي تصدت للمستعمرين والمحتلين وقاومتهم، حتى وإن تم استغلال جهادها بعد ذلك من قوى علمانية وغير إسلامية من لصوص الأوطان وسرّاق الثورات.
ففي مصر كان علماء الأزهر أول من قاوموا الاستعمار الإنجليزي، ولذلك كان حقد الإنجليز أنهم دخلوا بخيولهم إلى ساحات الأزهر انتقامًا من علمائه. وأكمل المسيرة بعدهم الإمام الشهيد حسن البنا، وقد أدرك المستعمرون الإنجليز مدى تأثيره الديني فكان أن قتلوه غدرًا بواسطة عملائهم من مخبري الملك فاروق وهو الذي لم يتجاوز عمره يومها 42 سنة، وكان ذلك يوم 12/2/1949. وفي السودان كانت حركة الإمام المهدي. وفي المغرب كانت حركة الإمام عبد الكريم الخطّابي. وفي الهند كانت حركة الشيخ أحمد عرفان. وفي ليبيا كان الشيخ عمر المختار. وفي سوريا كان الشيخ بدر الدين الحسني، وكان ابنه تاج الدين أحد قادة معركة ميسلون الشهيرة ضد الاحتلال الفرنسي عام 1920. وفي الجزائر كانت حركة وجهود وجهاد الشيخ عبد القادر الجزائري، وقد وصل الأمر وتحت تأثير الاحتلال الفرنسي فكان الفرنسيون يقولون: إن الجزائر فرنسية، بينما يقول الجزائريون: الجزائر مسلمة، وقد قال شاعرهم الشيخ عبد الحميد بن باديس:
شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب
لذلك كان من أشهر أهازيج وغناء الجزائريين يوم رحل الاحتلال الفرنسي عنهم بعد 132 سنة قولهم:
يا محمد مبروك عليك الجزائر رجعت إليك
في إشارة ودلالة واضحة على الهوية الدينية لشعب الجزائر وأنه ينتمي ويفخر بنسبه إلى محمد ﷺ.
لقد بلغ بهم الخوف والرعب من الإسلام ودعوته وملامح عودته وصحوته أن قال وزير خارجية فرنسا يومًا: “لن أترك الهلال ينتصر على الصليب”. وهو ما صرح به جورج بوش بعد أحداث برج التجارة العالمي في العام 2001 لما قال قبل أن تتبيّن هوية الفاعلين: “إنها حرب الصليب”. وزاد على ذلك المستشرق الفرنسي الشهير -جيب- لما قال: “إن الحركات الإسلامية تتطور بسرعة مذهلة تدعو للدهشة، فهي تنفجر انفجارًا مفاجئًا قبل أن يتبين المسؤولون أماراتها. فالحركات الإسلامية لا ينقصها إلا قائد يوحّدها، لا ينقصها إلا صلاح الدين يظهر من جديد”.
صليبيون وحاقدون؟
وليس أنه الخوف وحده هو الذي حدّد سلوكهم من الإسلام، وإنما هو الخوف الممزوج بالحقد الأعمى الدفين بسبب عدم نسيانهم للهزائم العسكرية الدينية المتلاحقة التي مُني بها الغرب المسيحي أمام الإسلام الزاحف المنتصر، حتى أن دولًا وشعوبًا نصرانية قد خضعت للإسلام ثم أسلمت ودخلت في دين الله أفواجًا كما حصل مع بلاد الشام ومصر وبلاد البلقان ووسط أوروبا وآسيا.
يقول المستشرق الألماني -بيكير-: “إن هناك حالة عداء من المسيحية للإسلام، ذلك لأن الإسلام مع انتشاره، فإنه أقام سدًا منيعًا أمام المسيحية، وإن الحرب الصليبية لم تبدأ باحتلال القدس سنة 1099 ولكنها بدأت منذ غزوة تبوك في عهد النبي محمد ثم معركة اليرموك زمن الخلفاء الراشدين”.
ويقول المستشرق الشهير -شميل-: “إن مشاكل الشرق بالنسبة للغرب بدأت بمولد رسول العرب محمد ﷺ، وأنها أصبحت بعد ذلك مثل فصول السنة ما أن تنتهي حتى تبدأ من جديد”.
أما المستشرق -ادوارد ريو- فيقول: “إن حرب الغرب ضد الشرق حرب مشروعة لأنها تهدف إلى تصحيح وضع غير مشروع نشأ باحتلال العرب لأرض مسيحية”. ومن هنا نفهم لماذا اختار الصليبي بوش الابن ليلة الإسراء والمعراج بتاريخ 1/10/2002 لإعلان اعترافه بالقدس عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة، ولماذا اختار الصليبي الجديد ترامب في دورة رئاسته الأولى ليلة ذكرى النكبة 15/5/2018 لنقل وافتتاح سفارة أمريكا من تل أبيب إلى القدس، ولماذا اختار ترامب في حربه الأخيرة على إيران بداية شهر رمضان.
وليس بعيدًا عن هذا فإننا نفهم دوافع قول الجنرال البريطاني اللورد اللمبي لما دخل القدس عام 1917: “الآن انتهت الحروب الصليبية”. ومثله قال القائد الفرنسي زورو لما دخل دمشق ووقف على قبر صلاح الدين الأيوبي يضرب القبر بعصاه وهو يقول: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”، في استحضار واضح ومكشوف للتاريخ ونبش لأحقاد دفينة عمرها مئات السنين من يوم هزيمة حطين وتمريغ أنوفهم في تراب حطين على يد البطل الفاتح صلاح الدين رحمه الله.
ومن هنا نفهم ما قاله المؤرخ المنصف -ليدوفيك كرنش-: “كان الغرب يعمل جاهدًا على تأصيل بذور الكراهية والحقد ضد المسلمين في نفوس المسيحيين، يتلقّفونها خلفًا عن سلف ويرضعها الطفل من شعور أمه كما يرضع اللبن من ثدييها فتسري الكراهية في كيانه مسرى الدم في العروق”.
على صلابة صخرة الإسلام ستتحطم قرونهم
إنه الغرب إذن وهو يتقنع بالديمقراطية والليبرالية والعلمانية، بينما تحرّكه قناعاته الدينية الصليبية الحاقدة في حربه ضد الإسلام والمسلمين، وقد ظهر ذلك جليًا بدعمه للأقليات المسيحية ضد الأكثرية المسلمة كما حصل في أثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان، بل كما حصل بتنصيب زعماء وقادة مسيحيين في دول أكثريتها من المسلمين كما حصل في كينيا وتنزانيا وأريتريا.
وإنه الغرب الذي تجلّت صليبيّته بإصدار وعد بلفور وإعطاء اليهود الحق بالاستيطان في فلسطين على حساب تهجير أهلها. إنه الغرب الدموي الذي ظهرت دمويته بالمحارق والمجازر التي ارتكبها في ألمانيا بحقّ اليهود، فلم يجد تكفيرًا عن جرائمه تلك إلا بدعم إقامة إسرائيل على حساب تهجير شعب فلسطين وإيقاع النكبة بشعبها في العام 1948.
إن الاستعمار الصليبي والغربي يعتبران الإسلام هو العقبة الكؤود التي تحول دون توسّعه وتمنع المسلمين من الذوبان في مشاريعه، ولذلك فإنها الحرب السافرة يعلنها على المشروع الإسلامي والصحوة الدينية، إما بشكل مباشر أو عبر عملائه من عساكر العرب والمسلمين أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة.
إنهم يعتبرون أن الإسلام إذا ظهر في دعوة أو حركة شعبية، فإنها كفيلة بأن تحطم وتفشل مساعيهم ومخططاتهم التي خططوا لها خلال عشرات السنين. فكيف إذا ظهر الإسلام على شكل دولة وليس دعوة، دولة لها جيش ونظام وخليفة وتحكم بالقرآن والسنة، وتربي أبناءها من معين الإسلام.
ولأجل ذلك فإنهم يصبّون جامّ غضبهم على القرآن وعلى رسول الله ﷺ كقول وليم بالجراف: “متى توارى القرآن وتوارت مكة فإنه سيمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرّج في سبيل الحضارة الغربية، وأنه لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه”. أما المستشرق الفرنسي المتعصب -كيمون- فقد قال في كتابه -بيالوجيا الإسلام: “إن الديانة المحمدية جذام تفشّى بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكًا ذريعًا. إن قبر محمد مثل مولد كهربائي أسلاكه تبعث الجنون في رؤوس المسلمين”. وهو الذي قال واصفًا المسلمين بأنهم “وحوش ضارية وأن الواجب إبادة خمسهم والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة وتدمير الكعبة ونقل قبر النبي محمد إلى متحف اللوفر في باريس”.
إذن فلا عجب مما يجري هذه الأيام من هذه الحملة الصليبية الأمريكية التي يقودها دونالد ترامب ووزراؤه ومستشاروه من القساوسة والمتعصبين. إنهم مجمعون أنها حرب الأخيار ضد الأشرار، وحرب النور ضد الظلام، وحرب أتباع المسيح ضد أتباع محمد ﷺ. إنها الحرب التي يشعلونها وفي اعتقادهم أنهم يمهّدون بها لخروج مخلّصهم الدجاّل.
لكنه اليقين الذي يملأ قلوبنا أنها الحرب الخائبة والخاسرة، لا بل إنها حربهم التي ستقود إلى صحوة أعظم بين المسلمين وهم يرون دينهم يُستهدف ويُحارب. ثم إنها يقظة عند شعوبهم التي ستكتشف زيفهم وأكاذيبهم بأن انتسابهم إلى المسيح عليه السلام هو انتساب زور وأن المسيح عليه السلام بريء منهم.
أما وقد اجتمع عليهم الحقد على الإسلام والخوف منه فكانت هذه الحروب الشرّيرة التي لن يجنوا منها إلا الوهم والسراب والخسران {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [3 سورة الأنفال].
فعلى صلابة صخرة الإسلام ستتحطم قرونهم وستبدد أوهامهم، وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
هذا المحتوى على صلابة صخرة الإسلام ستتحطم قرونهم وستتبدد أوهامهم ظهر أولاً في سواليف.




