والهدف هو تقويض صورة الحصانة العسكرية والمالية الأميركية بوصفها غير قابلة للمساس. لكن الضرر الجانبي يقع بصورة غير متناسبة على الصين. فبكين تستورد قرابة 40 في المئة من نفط الخليج، وتوفر السعودية وحدها نحو 17 في المئة من إجمالي واردات الصين من الخام. كما تسهم الإمارات والعراق أيضا بنسب كبيرة. وتتجاوز التزامات الصين في البنية التحتية لمبادرة "الحزام والطريق" في الخليج 200 مليار دولار. وبلغ حجم تجارتها الثنائية مع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون، إضافة إلى العراق، قرابة 350 مليار دولار في عام 2024، وهو رقم يفوق كثيرا الانكشاف التجاري الأميركي على المنطقة. وعندما تسلح إيران مضيق هرمز، فإنها لا تفرض "ضريبة" على المصالح الأميركية في المقام الأول، بل على متانة الصين الصناعية. فإيران التي "تنتصر" عبر خنق الخليج لا تمنح بكين نصرا، بل تضعها أمام أزمة طاقة، وتمزق في سلاسل الإمداد، واستثمارات في البنية التحتية تتحول إلى أنقاض، ورسالة مفادها أن أهم ممر تستورد الصين عبره الطاقة يمكن أن يحتجز رهينة لدى شريك يعده كثيرون حليفا لبكين.
غير أن النتيجة المعاكسة تنطوي على مخاطر جيوسياسية أكبر. فهزيمة إيران، بمعنى قيام نظام إقليمي جديد تنضوي فيه دول الخليج وإيران نفسها بصورة حاسمة ضمن ترتيب أحادي القطب تقوده واشنطن وتل أبيب، ستجعل المصالح الصينية الحيوية في الخليج خاضعة للأوامر الأميركية. وكان التقارب السعودي-الإيراني الذي رعت بكين مساره في عام 2023 أبرز إنجاز دبلوماسي صيني في الشرق الأوسط، إذ قدم دليلا على أن الصين تستطيع الإسهام في توفير أمن إقليمي من دون الإكراه الذي يفرضه الحضور العسكري الأميركي. وسيقوض نصر أميركي-إسرائيلي حاسم طموح الصين إلى دعم توازن قوى إقليمي من أساسه. وسيكون لدى السعودية والإمارات وبقية دول مجلس التعاون كل دافع عقلاني لتعزيز العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة وكبح التمدد الصيني في المنطقة.

ولهذا تواجه بكين معضلة لا حل ثنائيا لها، ولا يبقى أمامها سوى ممر استراتيجي ضيق يمكن تصوره. فإذا انتصرت إيران، تحولت الصين إلى دولة تابعة لها، وأخضعت أمن طاقتها للضمانات العسكرية الإيرانية في المضيق. وإذا خسرت إيران، لم تعد مصالح الصين الضخمة في الخليج، من تجارة النفط إلى الاستثمار في البنية التحتية وتبادل رأس المال والتكنولوجيا، آمنة، وانهار النظام الإقليمي الذي عملت بكين على رعايته زمنا طويلا بضربة واحدة.
وفوق هذا المأزق الذي لا يفضي إلى نصر، تواجه بكين أزمة إضافية فريدة تتمحور بالكامل حول مضيق هرمز.
لماذا يستطيع العالم الانتظار بينما تعجز الصين عن ذلك؟
قد يكون إغلاق مضيق هرمز مؤلما اقتصاديا فحسب بالنسبة إلى الاقتصادات الكبرى الأخرى في شرق آسيا وجنوب آسيا وأوروبا الغربية، لكنه يشكل بالنسبة إلى الصين تهديدا وجوديا يتجاوز الاقتصاد.
فتعاني اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند والاتحاد الأوروبي صدمة ارتفاع أسعار النفط، وتواجه جميعها اضطرابات في الإمدادات. لكن يتوافر لها جميعا، وقد عرض عليها، مخرج أخير يتمثل في الولايات المتحدة وذراعها النفطية الجديدة، فنزويلا. وتسيطر واشنطن على أكبر احتياطي نفطي استراتيجي في العالم، وتنتج نفطا أكثر من أي دولة أخرى، كما تعمل محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال لديها بكامل طاقتها وتواصل التوسع. ويمكن للدول التي تبقى ضمن البنية الأمنية الأميركية- بعضها على نحو غير كامل وبعضها على مضض- أن تؤمن ترتيبات طاقة بديلة إذا ظل المضيق مغلقا. وستدفع ثمنا أعلى، وستعاني، لكنها ستبقى قادرة على الصمود.













