لو كان للنباتات شخصيات، لكان السماق ذلك الشخص الذي يدخل المجلس متأخرًا، لا يتحدث كثيرًا، لكنه بمجرد أن يجلس يتغير طعم السهرة كلها. حامض، لاذع، بلون قرميدي، وعنيد في حضوره؛ من الفتوش إلى المسخن، يكفي أن يغيب حتى نكتشف أن في الطبق شيئًا ناقصًا.
هناك أشياء من الطفولة تبقى عالقة في الذاكرة. وأنا أتذكر السماق من ذلك الزمن؛ حيث تعلقتُ بالطور المقابل لبيتنا أكثر من ساعتين، فلم أستطع أن أصعد إلى الأعلى أو أنزل إلى الأسفل، وتم سحبي بواسطة حبل من قبل أولاد الحارة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أشاهد فيها نبتة السماق.
كان المنظر خلابًا؛ قطوفه القرميدية تتدلى من الشجيرات، لكن الأجمل كان طعمه المحيّر: حامض، غريب، ويترك في الفم سؤالًا: لماذا يأكل الناس شيئًا بهذا القدر من الحموضة ثم يعودون إليه؟
وبعد سنوات كبرنا واكتشفنا السر.
السماق لم يطمح إلى أن يكون فاكهة أو عصيرًا، بل اختار لنفسه وظيفة محددة: أن يمنح الطعام نكهته الحامضة، ثم يتصرف وكأنه أنقذ المائدة.
في عالم النباتات، هناك نباتات تتباهى بأزهارها وثمارها وظلالها، أما السماق فقال ببساطة: أنا عندي الحموضة.
وهكذا أصبح حاضرًا في المسخن، والمشاوي، والسلطات، والمقبلات، كما يُرش كمسحة نهائية فوق أطباق الحمص، والمتبل، والبابا غنوج. حتى صار أشبه بذلك الضيف الذي لا يتكلم كثيرًا، لكنه بمجرد أن يدخل الطبق يلاحظ الجميع وجوده.
ينتمي السماق إلى الفصيلة البطمية، وهو شجيرة صغيرة تحمل ثمارًا تتجمع في عناقيد حمراء. واللافت أنه لا يحتاج إلى معاملة خاصة؛ إذ يستطيع النمو في أطراف المنحدرات والمناطق الصخرية الوعرة.
ثم تأتي الرحلة من البرية إلى المطبخ. تُجفف ثماره تحت الشمس، ثم تُدق وتُطحن لتصبح مسحوقًا خمري اللون، حامض الطعم، جاهزًا للجلوس فوق الطعام وكأنه يعرف تمامًا لماذا استُدعي.
ضع السماق على طبق الحمص، فيبدو الطبق وكأنه حصل على ترقية. ورشّه على المسخن، فتكتمل الحكاية. أما الفتوش والسلطات، فغيابه يكاد يكون إعلانًا رسميًا بأن شيئًا مهمًا قد فُقد.
وللسماق تاريخ طويل؛ فقد عرفه الإنسان منذ قرون، كما استُخدمت أوراقه في دباغة الجلود.
أي إن السماق كان يعمل في أكثر من وظيفة قبل أن نكتشف نحن مصطلح «العمل متعدد المهام».
وفي العصر الحديث، حظي باهتمام الأطباء وأبحاثهم.
وله قيمة اقتصادية أيضًا؛ فسعره مرتفع، وثماره المجففة والمطحونة تُباع في الأسواق، ويمكن أن تكون زراعته وتصنيعه فرصة في بعض المناطق، خصوصًا مع قدرته على تحمّل ظروف لا تناسب كثيرًا من المحاصيل.
لكن حتى السماق لم يسلم من الغش. فقد تُضاف أحيانًا مواد أو أصباغ إلى بعض المنتجات لتقوية اللون. لذلك يُفضّل اختيار السماق ذي اللون الخمري أو البنفسجي الداكن، والرائحة الطبيعية والطعم الحامض الواضح، وشراؤه من مصدر موثوق، وحفظه بعيدًا عن الرطوبة والضوء.
وربما لهذا أحب السماق؛ لأنه لم يحاول أن يكون أكثر مما هو. شجيرة تنمو في الأرض الصعبة، لا تطلب كثيرًا، وتعرف موهبتها جيدًا: الحموضة.
ومع ذلك، صنع بهذه الموهبة الصغيرة مكانًا لا يُستغنى عنه على المائدة. صار نجم الفتوش، ورفيق المسخن، وضيفًا إذا غاب سأل عنه الجميع: أين السماق؟
وفي النهاية، ربما تكون جاذبية السماق في أنه لم يحاول أن يكون شيئًا آخر.
لم يقل: أريد أن أصبح وردة، ولا فاكهة، ولا شجرة ضخمة.
قال فقط: أنا حامض.
ثم أثبت أن الحموضة، إذا عرفت أين تضعها، يمكن أن تصبح موهبة.
ومن قطوف قرميدية رأيتها طفلًا على الطور المقابل لبيتنا، إلى مسحوق يزيّن صحن الحمص والمتبل، بقي السماق نباتًا بسيطًا يحمل حكاية أكبر من حجمه.
فبعض النباتات تُعرف بأزهارها، وبعضها بثمارها، أما السماق فيُعرف بأنه النبات الذي إذا غاب عن الطبق اكتشفنا أن للطعم كرامة!
وربما كان هذا هو الدرس الأجمل الذي يتركه لنا: لا تحتاج إلى أن تكون الأجمل أو الأكبر أو الأكثر حظًا؛ يكفي أن تعرف ما الذي تجيده، وأن تعرف أين تضعه.
أما السماق، فقد عرف ذلك منذ زمن بعيد... ولذلك لم يحتج إلى مكتب، ولا مدير، ولا خطة خمسية. اكتفى بأن يكون حامضًا، فصار لا غنى عنه.