الثقافة هي طريقة عيش المجتمع حاليا و سابقا بمعنى آخر هي طريقة التفكير و طريقة السلوك بناءا على منظومة الذاكرة الاجتماعية المتوارثة من العادات و القيم و التقاليد و الفولكور و التعبير عن الفرح و مراسم الحزن و الاحداث التاريخية التي تشكل الوعي العميق للصديق و المنافس و الحليف و العدو و بالتالي فالثقافة الاجتماعية جزء مهم من الهوية اي كيف يعرف الفرد و المجتمع ذاته.
لكن العالم متغير و البيئة متغيرة لذلك فإن الحفاظ على ثقافة اجتماعية يعتمد على الخطاب لتشكيل الوعي العميق و بالتالي العدسة التي برى فيه افراده العالم و على الانسجام بين الخطاب و السلوك.
قد يبدو هذا معقدا بعض الشئ في ظاهره لكنه لا بد ان يكون واضح لصناع القرار و المفكرين لانهم القادرين و المنوط بهم تحديد الية تفكير المجتمع و ثقافته.
مثلا ترى مجتمع يميل للعنف اي ان ثقافته تشكلت على قبول العنف و اعتبار الافراد ذوي السلوك العنيف ابطال قصته و اساطيره. بالمقابل ترى مجتمعا يميل للهدوء و الرضا و العدالة الاجتماعية كما في الدول الاسكندنافية مثلا و هناك يصبح العنيف و الفاسد و المتذمر مهمشا لصالح النزيه المتعاطف مع الاخرين المتقن لعمله. نفس هذا المجتمع كانت يوما ثقافته مستمدة من الفايكنغ الذين قام مجتمعهم على الغزو و القتل و الظلم.
كيف حدث هذا التغير هو ما سنتحدث به اليوم لنتعلم من تلك التجربة و نعيد صياغتها لتناسب مجتمعاتنا.
بما اننا في منطقة يشكل الدين و التاريخ و الهوية جزء من ثقافته لا بد ان نبدأ من هناك.
اليوم نرى مظاهر التدين الظاهري و الدعوة للاصلاح الظاهرية و حتى النضال الظاهري و هذه تنتج ثقافة مشوهة تستخدم فيها الاهداف النبيلة لخدمة سلوك مشوه. التدين الظاهري نراه في آيات و احاديث منتشرة على السيارات و مناشير التواصل الاجتماعي و الحياة اليومية بالمقابل نرى نفس هؤلاء لا يتورع عن النصب و ايذاء الآخر و خرق القوانيين و التهرب من العمل. نرى الدعوة الى الاصلاح و تعلو اكثر عند من لا يتورع عن طلب الواسطة او التعصب او تجيير صوته الانتخابي مقابل مكاسب آنية. حتى النضال للقضايا العربية تعلو به الحناجر و المنشورات ممن لا يتورع من العيش في كنف عدوه و امتيازاته و التكسب ماليا و شعبويا من ادعاء النضال. ليس ادل عن التناقض الثقافي من دعوة افراد و تيارات لحكم ديني يحارب الغرب بالمقابل يركبون قوارب التهريب او يقفون على ابواب السفارات ليتنعموا بقوانين و امتيازات تلك الدول.
لكن المعادلة بسيطة للحصول على ثقافة سليمة و هي تغيير العدسة التي نرى بها العالم لتتغير طريقة التفكير لتنعكس على السلوك. بمعنى اننا نريد مجتمع راقي في التعامل يحترم حقوق الآخرين و تتوافق قيمة الاخلاقية الظاهرة مع السلوك الباطن.
هنا يأتي دور الخطاب الذي يتم صناعته و تسويقه اعلاميا و تكراره ليصبح رواية و الاهم ان تتطابق القدوات التي نقدمها مع هذا الخطاب. مثلا في الثمانينيات اصبح الخطاب باتجاه التعليم و اكتمل بأن القدوات التي تقدم هم الاكثر تعليما فبني الوعي الاجتماعي على ان التعليم هو الطريق للقبول الاجتماعي و الارتقاء في السلم الاجتماعي و المالي فنتج عن ذلك تنافس هائل على التعليم.
اذا تغيير الثقافة الاجتماعية هي مسؤولية الحكومة و مؤسسات صناعة القرار لانها القادرة على تحديد ملامح الثقافة التي نريد ثم الدفع بالقدوات المناسبة مع رواية اعلامية مناسبة. ما يحدث اليوم هو فراغ متروك يملأه تيارات دينية و عصبية و مدعية النضال تنمو ليس لقوتها و لكن لفقدان الثقة بالقدوات التي قدمتها المؤسسات. القدوات التي تفتقد الكفاءة و فهم عقلية المجتمع و مشكوك في نزاهتها لا تستطيع ان تبني ثقافة مجتمع حتى لو ادعت الولاء لان الولاء الحقيقي للوطن و قيادته ينعكس على السلوك و الخطاب باتقان العمل و الارتقاء و التواصل.