الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
حين تحضر الأخوة في لغة الزيارة، والتاريخ في عمق العلاقة، والمستقبل في جدول اللقاء، تصبح زيارات القادة أكثر من محطة دبلوماسية؛ فهي تجديد لعهد الجوار، وتأكيد لرسوخ الثقة، وفتح لآفاق أرحب من التعاون والشراكة.
ومن هذه المعاني تكتسب الزيارة الأخوية الخاصة التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، ولقاؤه أخاه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، دلالتها وخصوصيتها؛ فهي لقاء بين قيادتين وشعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية، وتجمعهما اليوم تطلعات مشتركة نحو مزيد من التنمية والازدهار والأمن والاستقرار.
وفي قصر الشاطئ بأبوظبي، حيث بحث جلالة السلطان المعظم وأخوه سمو الشيخ محمد بن زايد مسيرة العلاقات التاريخية وسبل تعزيزها وتطويرها، وتبادلا وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية وسبل تحقيق الأمن والاستقرار، بدت الزيارة امتدادًا طبيعيًا لعلاقة لا تبدأ من السياسة وحدها ولا تنتهي عند الاقتصاد؛ علاقة جوار وأخوة ومصالح مشتركة، تتجدد مع كل لقاء وتزداد أهمية كلما ازدادت المنطقة حاجة إلى الحكمة والحوار.
ومن هنا، فإن قراءة زيارة جلالة السلطان المعظم إلى أبوظبي تبدأ من خصوصية العلاقة العُمانية الإماراتية، لكنها لا تتوقف عندها؛ فبين البلدين تاريخ يستحق البناء عليه، وترابط اجتماعي يصون الأخوة، وفرص اقتصادية تفتح أبواب المستقبل، وحوار بين قيادتيهما يمكن أن يسهم في تعزيز أمن الخليج واستقرار المنطقة.
فبين سلطنة عُمان ودولة الإمارات ليست الحدود مجرد خطوط تفصل بين دولتين، وإنما مساحة اتصال بشري واجتماعي ممتدة، تتداخل حولها الأسر والروابط والعادات والثقافة والمصالح؛ وهو رصيد اجتماعي يسبق كثيرًا من حسابات السياسة ويمنح العلاقة بين البلدين خصوصيتها وعمقها.
ولعل العودة إلى البدايات الحديثة لهذه العلاقة تستحضر إرث المغفور لهما بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، اللذين أرسيا دعائم علاقة قامت على الإخاء وحسن الجوار والتعاون، وقادا مسيرتي بناء وتنمية جعلتا الإنسان في قلب مشروع الدولة. ومن ذلك الإرث تمضي العلاقة اليوم في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان؛ وقد تغيرت تحديات المنطقة وأدوات الاقتصاد والسياسة، لكن قيمة الجوار وعمق الأخوة ظلا ثابتين.
وتضيف الزيارة الأخوية الخاصة لجلالة السلطان المعظم إلى أبوظبي محطة جديدة إلى هذا المسار؛ ولعل في وصفها الرسمي بـ«الأخوية الخاصة» ما يختصر الكثير من طبيعة العلاقة بين القائدين والبلدين. كما أن وجود صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في مقدمة مستقبلي ومودعي أخيه جلالة السلطان المعظم يعكس خصوصية العلاقة وعمقها، فيما أكد لقاء قصر الشاطئ الحرص المشترك على تعزيز العلاقات التاريخية والروابط المشتركة وتطويرها بما يخدم المصالح المتبادلة ويلبي تطلعات الشعبين الشقيقين.
وإذا كان التاريخ والمجتمع يمثلان الجذر العميق للعلاقة، فإن الاقتصاد أصبح أحد أهم جسورها نحو المستقبل؛ فخصوصية الجوار بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات تمنح البلدين فرصًا واسعة لتعزيز التجارة والاستثمار وبناء شراكات تحقق المصالح المشتركة وتدعم مسارات التنمية في البلدين.
ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى الشراكة الاقتصادية بين البلدين من زاوية حجم التبادل التجاري وحده، بل باعتبارها مسارًا متناميًا من التكامل والمصالح المشتركة، يستفيد من القرب الجغرافي والإمكانات الاقتصادية والفرص الاستثمارية، بما يجعل نمو البلدين وازدهارهما رافدًا لمزيد من التعاون والتنمية المشتركة.
وتتسع آفاق هذه الشراكة مع التحولات الاقتصادية التي يشهدها البلدان؛ ففي الوقت الذي تمضي فيه سلطنة عُمان، في ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم، نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية، تواصل دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مسيرتها في التنويع والاستثمار والابتكار، بما يفتح أمام البلدين آفاقًا أرحب للشراكة والتكامل في اقتصاد المستقبل.
وهكذا تتكامل عناصر العلاقة؛ تاريخ يمنحها جذورها، ومجتمع يمنحها خصوصيتها، واقتصاد يبني مصالح مستقبلها، فيما تمنحها حكمة القيادتين واستمرار التشاور القدرة على مواكبة تحولات المنطقة.
ولم يعد الأمن الخليجي مفهومًا سياسيًا وعسكريًا فحسب؛ فالتجارة والاستثمار والطاقة وسلاسل الإمداد والتنمية أصبحت جميعها جزءًا من مفهوم أوسع للاستقرار، وهو ما يجعل التكامل الاقتصادي نفسه أحد روافد أمن الخليج وازدهاره.
ومن هنا تكتسب زيارة جلالة السلطان المعظم إلى أبوظبي دلالة تتجاوز بعدها الثنائي، خصوصًا في مرحلة إقليمية دقيقة تتداخل فيها الأزمات والتحولات السياسية والأمنية والاقتصادية. ولعل ما يعزز هذه الدلالة ما ورد في الخبر الرسمي عن تبادل جلالة السلطان المعظم وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وجهات النظر حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبحث المستجدات الإقليمية والدولية و«السبل الكفيلة بتحقيق الأمن والاستقرار».
ففي مثل هذه اللحظات، تزداد أهمية التشاور المباشر بين قادة دول الخليج، وتصبح علاقات الجوار والمصالح المشتركة رافعة لتعزيز الأمن والاستقرار وخفض مساحات التوتر، في منطقة تحتاج إلى الحوار بقدر حاجتها إلى القوة، وإلى بناء المصالح بقدر حاجتها إلى إدارة الأزمات.
وتأتي هذه الزيارة في سياق الحضور الدبلوماسي المتنامي لجلالة السلطان المعظم، وتحركات جلالته التي تجمع بين تعزيز شراكات سلطنة عُمان الدولية وترسيخ علاقاتها الخليجية والإقليمية. وهي امتداد لنهج عُماني راسخ ينظر إلى الحوار باعتباره طريقًا لبناء الثقة، وإلى حسن الجوار والتعاون والمصالح المشتركة باعتبارها أدوات للاستقرار وصناعة السلام.
ومن هذه الزاوية، يعيد لقاء جلالة السلطان المعظم وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان التأكيد على حقيقة رسختها مسيرة العلاقات بين البلدين: أن الجوار حين تحرسه الحكمة، وتصونه الأخوة، وتعززه المصالح المشتركة، يصبح قوة للاستقرار ومنطلقًا لبناء المستقبل.
ومن إرث المغفور لهما بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى حكمة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تمضي العلاقات العُمانية الإماراتية محافظة على جذورها، ومتطلعة إلى آفاق أرحب من التعاون والشراكة والتكامل، بما يحقق الخير والنماء للشعبين الشقيقين.
وفي لحظة إقليمية تحتاج إلى الحكمة بقدر حاجتها إلى القوة، وإلى جسور الحوار بقدر حاجتها إلى حماية المصالح، تكتسب مثل هذه اللقاءات قيمتها الأبعد؛ فاستقرار الخليج يبدأ من قوة العلاقات بين دوله، وازدهاره يتعزز بتكامل مصالحها، وسلام المنطقة يحتاج إلى قيادات تؤمن بأن الحوار قادر على فتح الأبواب التي تغلقها الأزمات.
وهكذا تختصر زيارة جلالة السلطان المعظم إلى أبوظبي معادلة راسخة في النهج العُماني: أخوة تصون الجوار، وشراكة تبني المستقبل، وحكمة تجعل من الحوار طريقًا للأمن والاستقرار والسلام.




