زياد فرحان المجالي : حين يغيب الميزان العربي… تتمدّد الحرب وتضيق المنطقة بأهلها
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخبارنا
2026/03/31 - 03:49
507 مشاهدة
في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب فقط حين ينطلق الصاروخ الأول، بل تبدأ
أيضًا حين يغيب الطرف القادر على كبحها، أو على الأقل منعها من التحول إلى
حريق واسع. وهذه هي المعضلة العربية اليوم في أكثر صورها وضوحًا. فالمشكلة
لم تعد مجرد مواجهة بين إسرائيل وإيران، ولا مجرد انخراط أميركي مباشر أو
غير مباشر في إدارة النار، بل أصبحت اختبارًا لمعنى الحضور العربي نفسه: هل
ما زالت لهذه المنطقة قدرة على التأثير في ما يجري فوق أرضها، أم أنها
تحولت إلى جغرافيا مفتوحة تُدار من الخارج وتُدفع أثمانها من الداخل؟
ما يجري أخطر من مجرد تبادل ضربات. نحن أمام لحظة قد تعيد رسم خرائط
الردع، ومواقع النفوذ، وشكل المصالح في الإقليم كله. وفي مثل هذه اللحظات،
لا يعود الصمت حكمة، ولا تصبح المراقبة من بعيد سياسة كافية. لأن الفراغ،
في السياسة كما في الحرب، لا يبقى فراغًا طويلًا؛ سرعان ما يملؤه الآخرون
وفق مصالحهم هم، لا وفق مصالح الغائبين. وهذه هي الكلفة الحقيقية التي
يدفعها العرب اليوم: أن المنطقة تتحرك فوق أرضهم، لكن بإرادة غيرهم.
منذ سنوات، يعيش الإقليم على اختلال متراكم في موازين القوة. إسرائيل
تصعّد كلما وجدت البيئة الدولية مناسبة، والولايات المتحدة تدير المنطقة من
زاوية مصالحها الكبرى، وإيران تتمسك بأوراقها الإقليمية باعتبارها جزءًا
من أمنها الاستراتيجي، بينما العرب يتأرجحون بين الحذر والانقسام وانتظار
اتضاح الصورة. لكن الصورة في مثل هذه الحروب لا تتضح إلا بعد أن تكون
الوقائع قد فُرضت، والخسائر قد وقعت، والمسارات الكبرى قد بدأت تتشكل
بعيدًا عن إرادة المتأخرين.
ولهذا فإن أخطر ما في المشهد ليس فقط اتساع النار، بل استمرار الاعتقاد
العربي بأن من الممكن البقاء خارج ارتداداتها. فالحروب في هذه المنطقة لا
تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين. تبدأ بعنوان عسكري، ثم تتمدد سريعًا
إلى الطاقة، والتجارة، والملاحة، والأسواق، والاستقرار الداخلي، والتوازنات
السياسية. وما يبدو في البداية مواجهة بين خصمين، يتحول في وقت قصير إلى
عبء عام على الإقليم بأكمله. ومن هنا، فإن الاعتقاد بأن الدول العربية
تستطيع الاكتفاء بدور المراقب ليس تعبيرًا عن واقعية، بل عن سوء تقدير لحجم
التداخل بين الميدان ومصالح المنطقة الحيوية.
المعضلة الأعمق أن بعض القوى المنخرطة في هذه الحرب تبدو وكأنها تراهن
مرة أخرى على الوهم القديم نفسه: وهم أن القصف وحده يصنع التحولات، وأن
الاغتيالات وحدها تكفي لإعادة تشكيل الدول، وأن الضغط العسكري كفيل بتفكيك
الخصم من الداخل. لكن تجارب الإقليم لا تؤكد هذه الفرضية بهذه البساطة.
فالدول التي تتعرض لضغط خارجي واسع لا تنهار دائمًا كما يتخيل خصومها، بل
قد تتماسك أكثر، وقد يتحول الاستهداف الخارجي إلى عامل تعبئة داخلية لا إلى
بداية تفكك. وهذه ليست قراءة عاطفية، بل خبرة كررتها حروب كثيرة في
المنطقة، حين بدأت بأهداف كبرى وانتهت إلى استنزاف طويل وكلفة تتجاوز
التقديرات الأولى.
ولهذا، فإن الرهان على النار وحدها ليس فقط قاسيًا، بل قصير النظر
أيضًا. فالحرب حين تُفتح بهذا الشكل لا تلتزم غالبًا بالسقوف التي يرسمها
أصحابها في البداية. تبدأ بحسابات مضبوطة، ثم تنفلت إلى مسارات لم تكن في
الحسبان. وكلما طال أمدها، اتسعت دائرتها، ودخلت فيها عناصر جديدة:
الاقتصاد، والأسواق، والرأي العام، والضغط الدولي، وحسابات الحلفاء، وحتى
التصدعات الداخلية لكل طرف. وفي منطقة مثقلة أصلًا بالأزمات والهشاشة
والانقسامات، فإن فتح باب كهذا لا يبدو مجرد مغامرة عسكرية، بل مقامرة
بمستقبل الإقليم كله.
ومن هنا تصبح الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، عنوانًا مباشرًا
للخطر. فالمسألة هنا لا تتعلق بممر ملاحي على الخريطة، بل بشريان تتنفس منه
أسواق الطاقة العالمية، وتقوم عليه حسابات اقتصادية تمس المنطقة العربية
أولًا قبل غيرها. وأي اضطراب كبير في هذا الشريان لن يبقى رقمًا في نشرات
المال، بل سيتحول إلى ضغط على الاقتصادات، والأسعار، والاستقرار الاجتماعي،
وثقة الأسواق، وحركة التجارة، وكلفة التأمين، ومجمل المزاج السياسي
والاقتصادي في المنطقة. عند هذه النقطة، تسقط أوهام المسافة الآمنة. فلا
الخليج بعيد، ولا المشرق محصّن، ولا الاقتصادات العربية قادرة على امتصاص
انفجار طويل من دون أثمان قاسية.
الدول العربية ليست مطالبة بأن تدخل حرب الآخرين، لكنها أيضًا ليست
معفية من مسؤولية منع الآخرين من تحويل المنطقة كلها إلى مسرح مفتوح للقوة
والفوضى والابتزاز.
والبداية هنا ليست مستحيلة كما يُقال. لا أحد يطلب إجماعًا عربيًا
كاملًا في كل التفاصيل، ولا موقفًا متطابقًا بين جميع العواصم. لكن الحد
الأدنى الممكن واضح: موقف سياسي عربي صريح يرفض توسيع الحرب، ويحذر من
العبث بالممرات الحيوية، ويربط أمن المنطقة بإرادة أهلها لا بإرادة من
يشعلون النار فيها، ويستخدم ما هو متاح من أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي
والاقتصادي لمنع الانزلاق إلى مواجهة أكبر. هذا ليس ترفًا، بل دفاع أولي
عن المصالح العربية في لحظة شديدة الحساسية.
صحيح أن العرب منقسمون، وموزعون بين حسابات متباينة، وعلاقات متفاوتة مع
واشنطن، ومقاربات مختلفة تجاه إيران وإسرائيل. وصحيح أن الوصول إلى موقف
موحد بالكامل يبدو صعبًا. لكن صعوبة الاتفاق لا تبرر الغياب. لأن البديل عن
التوافق ليس الراحة، بل التهميش. وحين يغيب الموقف العربي، لا تبقى الساحة
معلقة في الهواء؛ تملؤها فورًا إرادات أخرى، وتُرسم فيها خرائط جديدة،
وتُفرض فيها أولويات لا تعكس مصالح العرب، بل مصالح من يملكون القدرة على
الفعل في غيابهم.
أما إعادة النظر في شكل العلاقة مع إسرائيل، أو في سقف التواصل السياسي
معها، فلا ينبغي اختزالها في بعدها الرمزي فقط. فقيمتها الحقيقية أنها تقول
إن لهذه المنطقة أهلًا، وإن المصالح العربية ليست بندًا مؤجلًا إلى ما بعد
نهاية الحرب، وإن الدول العربية ليست مجرد جغرافيا صامتة يُدار الحريق
فوقها ثم يُطلب منها لاحقًا التكيف مع نتائجه. الرسالة هنا هي الجوهر: لا
يمكن إدارة الشرق الأوسط كله بمنطق القوة، ثم مطالبة الآخرين بالصمت باسم
الواقعية.
الخلاصة أن الأزمة لم تعد فقط في اتساع الحرب، بل في ضيق الخيارات
العربية أمامها بسبب غياب الفعل المبكر. وكل يوم يتأخر فيه العرب عن إنتاج
حد أدنى من التوازن السياسي، تتسع الحرب أكثر، وتتراجع قدرتهم أكثر على
التأثير في نهاياتها. وما تحتاجه المنطقة الآن ليس خطابات مرتفعة، ولا
بيانات إنشائية، بل ميزانًا عربيًا حقيقيًا يعرف أن الأمن لا يُستعار، وأن
الجغرافيا وحدها لا تحمي أصحابها إذا غاب القرار. فإما أن يستعيد العرب
موقعهم في لحظة إعادة الصياغة الكبرى، وإما أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام
شرق أوسط يُرسم فوق خرائطهم، لكن من دونهم.




