زنزانة الثواني الستين
هل يغرق أبناؤنا في "شبر" ريلز؟
هل يقفون على حافة منحدر "رقمي" لا قاع له؟
بينما يغط أحدهم في سبات اليقظة بملامح غائبة، وإبهام محموم بميكانيكية الدوران على سطح الشاشة كأنه "بندول" ساعة أصابها الجنون، يمرر للأعلى، فيأتيه "تريند" لرقصة تافهة، يمرر ثانية فيجد نصيحة طبية من مجهول، يمرر ثالثة فيجد صراخاً لا معنى له، ولا ينتهي به الحال إلا على مشارف مشهد كوميدي سمج مبتذل لتتوالى الطعنات...
إنها عملية "تلقيم قسري" لجرعات من "الدوبامين الرخيص"، تجعل عقل الشاب في حالة "سكر رقمي" لا يفيق منها إلا وقد تبخرت قدرته على التركيز.
ما يحدث ليس مجرد "تسلية"، بل هو هجوم منظم على أركان الشخصية الأربعة:
1. المستوى المهاري (اغتيال المَلَكة):
كيف لابنٍ اعتاد استهلاك معلومة في 15 ثانية أن يمتلك "الجَلَد" لحل مسألة مشكلة حياتية معقدة؟
لقد صرنا نصنع جيلاً بـ "ذاكرة سمكة"، تآكلت لديه مهارات التحليل وحل المشكلات؛ لأن عقله بات يرفض أي جهد يتجاوز دقيقة واحدة.
2 . المستوى الأخلاقي والسلوكي:
تحولت القدوة من "العالم" و"المفكر" إلى "المؤثر" و"البلوجر". أصبح المعيار هو "عدد المشاهدات" لا "قيمة المحتوى"، مما ولّد سلوكيات استعراضية تلهث خلف القبول الوهمي، وانحداراً في ذوق الكلمة والفعل.
3. المستوى الاجتماعي:
نحن نعيش عصر "العزلة الجماعية"؛ حيث يجلس الأبناء مع عائلاتهم بأجسادهم، بينما أرواحهم تسبح في ملكوت "التيك توك"، مما أدى لضمور الذكاء العاطفي وفقدان آداب الحوار الواقعي.
4. المستوى الإدراكي (أقفال القلوب):
يقول الله تعالى: ((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [سورة محمد: 24]. لقد وضع "الريلز" أقفالاً برمجية تمنع الأبناء من "التدبر"؛ فالعلم يُنال بالتروي، والوحي يُفهم بالتأمل، بينما "الريلز" يقوم على "الخطف" الذهني.
إذا كان ذلك الحال واقعاً فما السبيل للنجاة إذاً؟
إن الخطوة الأولى تكمن في استراتيجية "الإحلال المعرفي" والتي تعتمد على عدم السماح بتكون فراغ ناتج عن انسحاب الأجهزة الذكية، بل الدفع نحو هوايات "النَفَس الطويل" (البرمجة، المهارات التشكيلية، حفظ القرآن، أو حتى الرياضات القتالية).
هذه الأنشطة تعيد بناء "عضلات التركيز".
والخطوة التالية التي ينبغي علينا كمربين أن نتبعها هي القيام بدور المحاور لا الرقيب.
من خلال توجيه أسئلة مثل: "ماذا استفدت من هذا المقطع؟"، "هل هذا الشخص يمثل قيمنا؟"
هل تتمنى أن تكون مثله؟ ما توقعك لرأيك فيه بعد أن تصبح أكثر نضجاً وتقدماً بالعمر؟
اجعل المنع ينبع من قناعته هو، لا من سلطتك أنت.
إن التحديات في مواجهة ذلك كبرى والطريق وعر، لكن النجاة بأبنائنا من تلك المصيدة مكسب سيدركون قيمته آجلاً وحتماً...
إننا بصدد معركة "وعي" لا معركة "تقنية".
يقول جان بياجيه:
"الهدف الرئيسي للتربية هو خلق رجال ونساء قادرين على فعل أشياء جديدة، وليس مجرد تكرار ما فعلته الأجيال الأخرى."
وبينما ترسخ ثقافة الريلز للتكرار والتقليد، ألا يتوجب علينا أن نركز على تحويلهم إلى مبدعين ينتفع بهم الخلق وتعلُو بهم شأنُ أممهم وأوطانهم؟




