في مذكراته كتب بريزنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر يقول: "لطالما كنت مقتنعًا ان احترام الحقوق الإنسانية من شأنه ان يحرر عالمنا من العبودية والاسترقاق. إن جعل احترام هذه الحقوق أولوية في السياسة الخارجية الامريكية من شأنه ان يخدم المصالح الامريكية لدى بلدان العالم الثالث". (Stephen Graubard: The presidents, p. 538)
أتساءل احيانًا: متى تغادر هذه المفردات الممتلئة حيز الاقوال الى حيز الأفعال؟ متى تُصان كرامة هذه المفردات فلا تظل مجرد خبر على ورق، مجرد امنيات يحن اليها وجدان الشعوب، كل الشعوب. ما ذكره بريزنسكي في مذكراته جميل جميل، ولكنه ما زال غائبًا عن اجندة الرؤساء الأمريكيين. صحيح انهم يتحدثون كثيرًا عن هذه "الحقوق الإنسانية" ولكنهم يتعاملون بازدواجية معها. يتباكون عليها في بلدان وأقاليم، ويغضون الطرف عنها في بلدان وأقاليم أخرى. هذا واقع لا يستطيع احد انكاره، سيما وان أمريكا هي اليوم اقوى دولة في العالم عسكريًا واقتصاديًا.
ما قاله مستشار الامن القومي للرئيس الأمريكي الأسبق كارتر لو تم تطبيقه من قبل الإدارات الامريكية المتعاقبة لنعم عالمنا بالأمن والاستقرار، ولتم الاستغناء عن الميزانيات العسكرية التي تلتهم اقتصاد الشعوب، وتوجيهها نحو التنمية في شتى المجالات. لو تم تفعيل هذه المفردات المقدسة لعم العالم الرخاء والسلام، ولما وجدت بشرًا شُعثًا غُبرًا ضامري البطون تمتلئ بهم شوارع المدن. تقرأ في عيونهم التوسل والاستعطاف!
ما قاله بريزنسكي يجب ان يهز ضمير العالم. ينبغي ان تمارسه إدارة اعظم قوة في العالم. فلا يعود اشعال الحروب والفتن الطائفية هنا وهناك هواية رئاسية تخدم سياسة المحافظين الجدد الذين فارقتم القيم الإنسانية، فما عادوا يقيمون لها وزنًا.
عالمنا اليوم مسكون بالرعب وبخاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي السابق. فقد كان وجودها –والحق يقال- يُحدث "التوازن" ويحول دون استعراض العضلات، على شعوب العالم الثالث!
عالمنا اليوم مسكون بالرعب، لا تحكمه قيم واخلاقيات، يحكمه الجشع والابتزاز والاستقواء على "الضعيف"!
في غياب "التوازن الدولي" لم يعد هناك أي اعتبار للمنظمة الدولية. بات "مجلس الامن" والامناء العامون للام المتحدة بلا حول ولا طول. ربما كانوا في أعماق نفوسهم غير راضين عن هذا "الفلتان" وعن هذا الانتهاك لحقوق الانسان الذي تمارسه نظم حكم استبدادية وعنصرية تمتلك "الضوء الأخضر" من اقوى دولة في العالم لتفعل ما تريد بحق الإنسانية. وما تفعله مُدان من قبل جميع الأديان السماوية. خُذ مثلاً ما فعلته وتفعله إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. هل سمعت مرة واحدة ادانة ولو "خجولة" لممارساتها غير الإنسانية بحق هذا الشعب؟ العكس يحدث تمامًا، الضحية تُدان والجلاد ينجو. صاحب الأرض الحقيقي هو "الإرهابي" لانه يدافع عن ارضه المحتلة، بينما المحتل الإسرائيلي هو صاحبها. وهنا تلعب الاساطير والخرافات التي تملأ اذهان حتى المثقفين الإسرائيليين دورًا في استغباء الرأي العام في بلادهم، كزعم أستاذ التاريخ بالجامعة العبرية من ان الجنود الإسرائيليين عام 1967 قد رأوا البحر الاحمر لأول مرة بعد ان عبره موسى منذ آلاف السنين". (د. عبد الوهاب المسيري "الأيديولوجية الصهيونية" ص 251)
هذه الاساطير –مع الأسف- يضخها المعلمون الإسرائيليون في أذهان تلاميذهم منذ الصغر الذين ينشأون على كراهية "الآخر" –وهو الفلسطيني خاصة-.
هذه الاساطير المضللة يرددها "المحافظون" في أمريكا كالزعم ان الإسرائيليين هم "الشعب المختار"، وان فلسطين هي "الأرض الموعودة" التي عاد اليها أصحابها!
اعود الى كلمات بريزنسكي مستشار الامن القومي للرئيس الأسبق كارتر فأقول إن الأوان قد حان لتتدبر الادارات الامريكية مضمونها، وإلا فإن العالم مقبل على مزيد من الكوارث. ورحم الله المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال حين انتقد بمرارة السياسة الامريكية المنحازة لإسرائيل والتي تجيء على حساب الحقوق العربية المشروعة. قال جلالته –رحمه الله- في مقابلة أجرتها معه صحيفة النيويورك تايمز ونشرتها الصحف الأردنية في 19/3/1984: "انني قلق على أمريكا وان اكثر الأمور مدعاة للاسى والاسف هو انني كنت على الدوام أومن القيم والمبادئ الشجاعة. واننا نشترك معها في ذلك كله/ وانني ادرك الآن ان المبادئ لا قيمة لها بالنسبة لأمريكا، وان القضايا القصيرة المدى ولا سيما في سنوات الانتخابات هي التي تطغى على الصورة، وهذا اكثر ما يدعو الى الأسف والاسى. وانا ما زلت أومن بأن المبادئ هي الامر المهم، واذا لم تكن كذلك فإنه الطامة الكبرى بالنسبة لنا جميعًا".
هي المبادئ المفقودة هذه الأيام في عالمنا، والتي جاءت كلمات الحسين –طيب الله ثراه- تؤكد دلالاتها الإنسانية.
ماذا يُتوقع من عالم تسوقه إدارة أعظم قوة في العالم الى التهلكة إلا ان يثور على الظلم والعتوّ؟
الغريب ان الأصوات الشجاعة التي تنطلق في أمريكا تدين سياسة بلادهم الخارجية يتم تهميشها إعلاميًا. خذ مثلاً الاستفتاء الذي أجرته صحيفة انترناشيونال هيرالد تريبيون في عام 2001 والذي اعقبته رسالة وقعها ستون أكاديميًا ومثقفًا مرموقًا في الولايات المتحدة أدانوا فيه سياسة بلادهم الخارجية واستبداد هذه السياسة وضربها عرض الحائط بالقيم الإنسانية. كيف نظرت إدارة الرئيس السابق بوش الى هذه الرسالة؟ تجاهلتها معتبرة الموقعين عليها يقفون الى جانب أعداء أمريكا! لم تلتفت الإدارة الامريكية آنذاك الى ان استفتاء صحيفة انترناشيونال هيرالد تريبيون الذي شمل (275) من قادة الرأي بينهم (40) من أمريكا و(235) من (23) دولة أخرى. (70) في المائة من الذين اخذت آراؤهم أفادوا ان أمريكا بانحيازها لإسرائيل جلبت لنفسها كراهية الكثيرين.
ترى متى تدخل القيم الإنسانية نسيج السياسة الامريكية.