يوم الأرض… حين تتحول الذاكرة والحق التاريخي إلى فعل مقاومة
خاص مركز بيروت للأخبار
بقلم : عصام الحلبي
في الثلاثين من آذار من كل عام، يقف الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، أمام مرآة التاريخ ليستعيد حقيقة من أكثر محطاته رسوخًا في الوعي الجمعي، يوم الأرض 1976. ليست هذه الذكرى مجرد استعادة لحدثٍ مضى، بل هي تجديد للعهد مع الأرض، وتأكيدٌ متجدد على أن الصراع في جوهره هو صراع على الوجود والهوية والحق.
تعود جذور هذه المناسبة إلى عام 1976، حين هبّ الفلسطينيون في الداخل المحتل رفضًا لسياسات مصادرة الأراضي من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فواجهوا القمع بالثبات، وسقط منهم شهداء وجرحى تحوّلوا إلى رموز وطنية شامخة. منذ ذلك اليوم، لم يعد “يوم الأرض” مجرد احتجاج عابر وأنشطة تقليدية، بل أصبح علامة فارقة في مسار النضال الوطني الفلسطيني ودليلًا على أن الأرض ليست قابلة للمساومة، بل هي جوهر القضية وعمودها الفقري وأساس الصراع الوجودي.
في كل عام، تتكرر المشهدية نفسها: مسيرات، فعاليات، كلمات، وأغانٍ، لكن ما يتجدد حقًا هو المعنى. فـفلسطين التي حاولت السياسات الاستعمارية الإستطيانية الإسرائيلية اقتلاع أهلها منها، ما زالت حاضرة في وجدان أبنائها، في المدن والقرى و في مخيمات اللجوء المنتشرة عبر الجغرافيا. إن الفلسطيني الذي وُلد في المنفى، ولم يرَ أرضه يومًا، يحملها في ذاكرته كما لو كانت جزءًا من تكوينه البيولوجي الذين يكون شخصيته، لا مجرد مكانٍ بعيد.
يوم الأرض هو لحظة سياسية بامتياز، يُعاد فيها التأكيد على الثوابت: رفض التنازل عن الأرض، التمسك بالحقوق التاريخية، والإصرار على حق تقرير المصير، وفي قلب هذه الثوابت تتجسد الرؤيةوالحقيقة الفلسطينية في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أرضها، وعاصمتها القدس الشريف، المدينة التي تختصر في رمزيتها الصراع كله، بما تحمله من قداسة دينية وعمق تاريخي وحقيقة ناصعة.
لكن الأهم في هذه الذكرى، أنها لا تعيش في الماضي، بل تتحرك في الحاضر وتتجه نحو المستقبل. فالأرض التي دافع عنها الفلسطينيون في السبعينيات وعلى مر العصور، ما زالت اليوم ميدان مواجهة ونضال وطني مفتوح، تتغير أدواتها وتتبدل أشكالها، لكن جوهرها يبقى ثابتًا: شعبٌ يتمسك بحقه في أرضه، في مواجهة مشاريع تسعى لطمس هويته وتاريخه وإلغاء وجوده.
إن إحياء يوم الأرض ليس فعل حنين، بل فعل مقاومة. هو إعلان سنوي بأن الزمن لم ينجح في كسر الإرادة، وأن محاولات فرض الأمر الواقع لا يمكن أن تلغي حقًا متجذرًا في التاريخ. وهو أيضًا رسالة إلى العالم بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي قابل للتسوية، بل قضية شعب يناضل من أجل حريته وكرامته وحقه الطبيعي في أن يعيش على أرضه سيدًا حرًا مستقلا.
في يوم الأرض، لا يكتفي الفلسطيني بتذكر ما كان، بل يعلن ما سيكون، تمسكٌ لا يتزعزع بالأرض، وإيمانٌ راسخ بأن الحق، مهما طال الزمن، لا يسقط وسيعود مهما طال الزمن أو قصر.
The post يوم الأرض… حين تتحول الذاكرة والحق التاريخي إلى فعل مقاومة appeared first on Beirut News Center.




