تختصر مدينة يبرود، الواقعة في ريف دمشق ضمن منطقة القلمون، حكاية طويلة من علاقة الإنسان بالمكان، إذ لا تبدو صخورها ومغاورها مجرد تكوينات طبيعية، بل تحولت على مدى آلاف السنين إلى ملاجئ للسكن، وأماكن للعمل والاحتماء، ثم إلى مدافن حُفرت في الصخر خلال عصور تاريخية لاحقة.
وتكمن خصوصية المدينة في أن آثارها لا تروي تاريخًا واحدًا، بل تكشف عن طبقات متعاقبة من وجود الإنسان، جعلت من يبرود موقعًا مهمًا في دراسة عصور ما قبل التاريخ في بلاد الشام.
اسم قديم ومدينة موغلة في التاريخ
عُرفت يبرود في المصادر القديمة باسم “إيبرودا” (Iabruda)، فيما تعددت التفسيرات حول أصل التسمية، ويربط بعضها الاسم بجذور آرامية، بينما تذهب تفسيرات أخرى إلى صلته بالارتفاع أو بطبيعة المنطقة الجبلية.
لكن تاريخ يبرود لا يبدأ مع الاسم، فالملاجئ الصخرية المحيطة بها كشفت عن وجود بشري يعود إلى عصور سحيقة، عندما كان الصخر مأوى للإنسان ومكانًا لممارسة حياته اليومية.
في وادي اسكفتا، تظهر الملاجئ الصخرية التي جعلت يبرود واحدة من أبرز المواقع المرتبطة بدراسة الإنسان القديم في سوريا.
وخلال أعمال التنقيب التي أجراها الباحث الألماني ألفرد روست، في ثلاثينيات القرن الماضي، كُشفت طبقات أثرية متعاقبة في عدد من هذه الملاجئ، وظهرت أدوات حجرية ومواقد وآثار استخدام بشري امتدت عبر مراحل مختلفة من العصر الحجري القديم.
ومن بين أهم ما ارتبط بيبرود “اليبرودية”، وهي تسمية أُطلقت على مجموعة من الصناعات الحجرية التي عُثر عليها في مواقع المدينة، لتصبح يبرود بذلك حاضرة في الدراسات الخاصة بتطور تقنيات الإنسان القديم في بلاد الشام.
وتكشف الأدوات المكتشفة عن تغير طرق تصنيع الحجر واستخدامه، بينما تقدم بقايا المواقد والطبقات السكنية صورة عن الإنسان الذي عاش في هذه الملاجئ قبل آلاف السنين، مستفيدًا من الجروف الطبيعية التي وفرتها له الجبال.
الصخر لم يكن للسكن فقط
لم تتوقف علاقة الإنسان بصخور يبرود عند السكن والاحتماء، فمع تعاقب العصور، أعيد استخدام بعض هذه المواقع لأغراض مختلفة، بينها الدفن.
وفي أحد ملاجئ وادي اسكفتا، كشفت الدراسات عن قبور حُفرت في الجدار الصخري، ويرجح أنها تعود إلى العصرين الروماني أو البيزنطي، في مشهد يلخص قدرة المكان نفسه على احتضان مراحل متباعدة من تاريخ الإنسان.
كما عُثر في محيط يبرود على قبور حجرية تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، بينها قبور من العصر البرونزي، ما يضيف طبقة جديدة إلى تاريخ المنطقة ويكشف استمرار استخدام الحجر في الطقوس الجنائزية.
مدينة تقرأ تاريخها من صخورها
في يبرود، تبدو الصخور وكأنها سجل مفتوح لتاريخ طويل، ففي طبقاتها عاش الإنسان القديم، وعلى جدرانها ترك آثاره، وفي بعض تجاويفها دُفن الموتى بعد قرون طويلة.
لهذا لا تكمن أهمية يبرود في كونها مدينة قديمة فحسب، بل في قدرتها على تقديم صورة متصلة، وإن كانت عبر طبقات زمنية مختلفة، عن علاقة الإنسان بالمكان، من الصخر الذي وفر له مأوى في عصور ما قبل التاريخ، إلى الصخر الذي أصبح لاحقًا جزءًا من ذاكرة المدينة ومقابرها وآثارها.




