يا عارنا… عن شاحنة النفايات المضغوطة بالعمال!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
شاءت الظروف أن أكون حاضراً في مفاصل صعبة من مسارنا الفلسطيني المثقل، وربما كنتُ شاهداً مثقلاً بالعجز في كثير من الأحيان، عاجزاً عن أن أكون نافعاً أو قادراً على تخفيف بعضٍ من أوجاع الذين كان لي شرف معايشتهم والجلوس بين أيديهم.عايشتُ، مثلًا، وكنت هناك أثناء مجزرة الحرم الإبراهيمي، وأمضيت أيامًا على أبواب مخيم جنين خلال اجتياحه عام 2002. وكنت شاهدًا على الاجتياحات الدورية للمخيمات، وحاضرًا أثناء تدمير مخيم نهر البارد في لبنان، وتدمير مخيم اليرموك في سوريا، والحملات الدموية المتتالية على غزة، وغيرها من المفاصل الموجعة عبر زمنٍ امتد لأكثر من اثنين وثلاثين عامًا عملت خلالها مع "الأونروا".وبعد كل مفصل، وكل زيارة، وكل فاجعة، كنت أعود إلى بيتي في جبل الزيتون، خارج أسوار البلدة القديمة للقدس، وأمنح نفسي مساحة أبكي فيها على ما رأته العين وما اختبرته الروح… مساحة أختلي بها خوفًا من أن يفضح ما يعتمل في صدري من خوف وضعف وتشاؤم وخواء وحزن عميق أمام ابنتي، فأنقل إليها قلقي وانكساري، وأهزّ صورة والدها الذي طالما حدّثها عن قوة اللاجئين الفلسطينيين وعزيمتهم وصبرهم. كنت أخشى أن تربط اهتزازي بذاكرتها عن المخيم، وعن اللاجئ، وعن عظمة هذا الشعب المنهك.لماذا أكتب كل هذا؟أحيانًا، يحدث أمر ما… خبرٌ بعينه وسط زحمة الأخبار -وقد لا يكون الأقسى مما رأيت أو الأشد مما عشت- لكنه يصفعك فجأة. يشلّك. يكسرك دفعة واحدة. يفجّر كل ما يختزن في صدرك من غضب، وعجز، وقنوط، وحزن عارم، ويزرع فيك شكاً قاسياً بقناعاتك، ورغبة في الهروب، في التيه بلا وجهة ولا هدف. حدث هذا معي، كما مع غيري، مرات كثيرة عبر السنين، خصوصاً منذ السابع من أكتوبر.صورة اليوم -وهي تُظهر شبانًا ورجالًا فلسطينيين مكدسين داخل حاوية قمامة، يحاولون التسلل إلى داخل فلسطين التاريخية ليضعوا خبزًا على موائد أبنائهم- صورة تصفعك. تخلَّ بتوازنك. وتكسر شيئًا عميقاً في داخلك.كرامتهم، هم، ناصعة؛ ويزيدها رفعة وسموا سعيهم الشريف إلى لقمة العيش.أما كرامتنا نحن، فهي المستباحة، المهانة. نحن الذين تعب أهلنا في تعليمنا وتثقيفنا -أو ما سمّيناه "تثقيفًا"- لنخرج إلى العالم مدافعين عن هؤلاء الرجال، ناقلين لنضالهم، ومراكِمين لإنجازات سياسية ونضالية وفكرية تليق بتضحيات شعبنا. لكننا، نحن -سياسيين، وفصائل، ومفكرين، وصحفيين، ولجاناً ومجتمعاً مدنياً ومؤسسات وأطراً وما شاكل...





