تظاهرة السراي لا أحد يتبنّاها: رسائل مموّهة وضغط تحت السيطرة
لم يكن التجمع الذي دُعي إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أمام السراي الحكومي في ساحة رياض الصلح حدثاً عادياً، لا في توقيته ولا في رسائله. آلاف المتظاهرين حضروا تحت عنوان رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكن المشهد بدا منذ لحظته الأولى أقرب إلى وقفة سياسية محسوبة منه إلى تحرك عفوي، حتى وإن أصر منظموه على وصفه بالعفوي.
في التجربة اللبنانية، نادراً ما يتجمع آلاف الأشخاص في قلب بيروت، وأمام السراي الحكومي تحديداً، من دون وجود قرار سياسي، أو على الأقل غطاء سياسي ضمني. صحيح أن التحرك خلا من أي حضور رسمي لقيادات من "حزب الله" أو "حركة أمل"، إلا أن تصريح النائب حسن فضل الله وفّر إطاراً تفسيرياً واضحاً له، حين قال إن الحزب "لا يؤيد التخوين، لكنه لا يمنع الناس من التعبير عن امتعاضها".
هذا النوع من المواقف لا يرقى إلى مستوى التبنّي السياسي المباشر، لكنه في الوقت نفسه لا يقطع الصلة بين التحرّك ومناخه السياسي، بل يضعه في خانة الاعتراض المضبوط: اعتراض يُسمح له بأن يظهر في الشارع، من دون أن يتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة أو موقف رسمي معلن.
أجواء المشاركين أوحت بأن التجمّع أراد التأكيد على أن العلاقة مع السنّة والدروز والمسيحيين لا تزال قائمة ضمن الإطار الوطني الأوسع لفكرة "المقاومة"، وأن الشهداء سقطوا من مختلف الطوائف اللبنانية، لا من الطائفة الشيعية ففط. بدا ذلك محاولة سياسية واضحة لإعادة تقديم صورة "المقاومة العابرة للطوائف"، أو على الأقل تثبيت هذه الصورة في لحظة سياسية حساسة تتزايد فيها المخاوف من انزلاق أي تحرك إلى قراءة مذهبية ضيقة.
ووفقاً لهؤلاء، في هذا السياق تحديداً، جاء رفع أعلام "تيار المستقبل"، وصور الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولافتات تحمل رمزية الشهيد كمال جنبلاط، كجزء من محاولة لإضفاء طابع وطني جامع على التحرك. كذلك شُغّلت أغنية "على الوعد نكمل دربك" المرتبطة برفيق الحريري، في استحضار رمزي لموقع السنة في بيروت، بالتوازي مع استحضار قول لكمال جنبلاط" إن الحياة إنتصار للأقوياء في نفوسهم،لا للضعفاء". وكأن يحاول المشاركين القول أن لديهم هواجس من أن يظهر التحرّك وكأنه احتجاج ذو طابع شيعي صرف، فحاولوا أن يكون لهم خطاب "المقاومة الوطنية" لا "المقاومة الطائفية".
غير أنّ محاولة هؤلاء اصطدمت سريعاً ببيان "تيار المستقبل" الذي استنكر بشكل صريح الزجّ بأعلامه في التحرك، نافياً أي علاقة له بما جرى. ولم يكن هذا النفي تفصيلاً إعلامياً عابراً، بل مؤشراً سياسياً واضحاً إلى حرص التيار على عدم الظهور في موقع الشريك في استهداف رئيس الحكومة نواف سلام.
الرسالة التي حملها هذا التحرّك لم تكن موجهة إلى الخارج بقدر ما هي موجهة إلى الداخل، وتحديداً إلى رئيس الحكومة، في ما يتصل بمسار التفاوض مع إسرائيل. لكنها لم تكن رسالة سياسية مباشرة أو مواجهة معلنة، بل أقرب إلى إشارة اعتراض محسوبة ومن دون تبنّ رسمي واضح. ففي الوقت الذي كان فيه المتظاهرون في الشارع أمام السراي الحكومي، كان وزراء "الثنائي" يؤكّدون عبر الشاشات استمرارهم في الحكومة وتمسّكهم بموقعهم داخلها. أي إن المعادلة التي أُريد تثبيتها بدت واضحة: الاعتراض قائم، لكنه لا يصل إلى حد الاشتباك مع السلطة التنفيذية أو التلويح بالانسحاب منها.
هذا النوع من الرسائل يعكس طبيعة إدارة التوازنات في المرحلة الحالية: ضغط في الشارع، مقابل تثبيت الاستقرار الحكومي. اعتراض مضبوط الإيقاع، من دون الذهاب إلى مواجهة سياسية مفتوحة، ولا إلى كسر التسوية القائمة داخل السلطة التنفيذية.
حتى في ختام الوقفة، جاءت الدعوة إلى عدم تكرار التحرّكات إلا ببيان رسمي. أحد المنظّمين قال إن هذا القرار "ليس خوفاً، بل لمنع استثمار التحرّكات في اتجاهات أخرى وتشويه الانتصار الذي يتحقّق في الجنوب"، في إشارة إلى الرغبة في إبقاء التحرّك ضمن سقف محدد وعدم تحويله إلى منصة تصعيد مفتوحة. وجاءت هذه الدعوة متقاطعة مع موقف قيادتي "حركة أمل" و"حزب الله" في بيروت اللتين دعتا أيضاً إلى عدم التظاهر في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد، ما يعكس توجّهاً واضحاً من الرئيس نبيه بري الذي كلف جماعة للعمل على ضبط الشارع.
بهذا المعنى، لم تكن الوقفة أمام السراي مجرد تحرك احتجاجي عابر، بل أقرب إلى رسالة سياسية محسوبة بدقّة: اعتراض بلا مواجهة، ضغط بلا تصعيد، وتأكيد حضور داخل المعادلة الحكومية من دون كسرها. إنها واحدة من أدوات إدارة التوازن في مرحلة لبنانية شديدة الحساسية، حيث تُرسَل الرسائل غالباً من الشارع، ولكن تُرسم حدودها الفعلية في مكان آخر.
المدن
The post تظاهرة السراي لا أحد يتبنّاها: رسائل مموّهة وضغط تحت السيطرة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




