كشف التسريب الأخير لـ “أطلس هاكرز” الحقيقة التي ظل هشام جيراندو ينسجها حول نفسه، ويقدم من خلالها صورة الرجل الذي يمتلك “مصادر” استثنائية وملفات حصرية وقدرة خارقة على الوصول إلى ما يعجز الآخرون عن الوصول إليه، فالمعطيات المتداولة في هذا التسريب، ترسم صورة مغايرة تماماً، وتكشف عن نمط من العلاقات والاتصالات يجعل خطاب مجرد ابتزاز ونصب واحتيال.. ليس إلا.
المحادثات المنسوبة إلى جيراندو و المسمى محمد بوعشرية، القابع بالسجن حاليا، تتضمن عبارات وسياقات مرتبطة بأشخاص ينسب إليهم النشاط في عالم المخدرات، كما تتضمن حديثاً عن استهداف أشخاص بعينهم وعن إمكانية تحصيل أموال منهم، وعبارة “نشوفو شنو نطرطقوا منو” تبدو، في سياقها المتداول، بعيدة كل البعد عن لغة البحث عن الحقيقة، وأقرب إلى منطق الضغط ومحاولة انتزاع منفعة من المستهدفين، وحين ترد هذه اللغة في محادثات تتناول أشخاصاً مرتبطين بتجارة المخدرات، فإنها تمنح التسريب طابعاً بالغ الخطورة.
الأكثر إحراجاً لجيراندو أن التسريب لا يقدمه فقط باعتباره متلقياً لمعلومات عابرة، بل يؤكدبوجود تواصل مع شخص له معرفة مباشرة بأسماء وملفات وأشخاص ينتمون إلى عالم الجريمة المنظمة، وفي هذه الحالة، فإن الصورة التي ظل جيراندو يسوقها عن نفسه باعتباره صاحب مصادر مستقلة انكشفت وفضح أمره، لأن ما يظهر في التسريب هو شبكة من العلاقات تقدم له معطيات عن أهداف محددة، ثم تتحول تلك المعطيات إلى مادة تشهيرية جاهزة للاستهلاك الجماهيري.
وهنا تتهاوى واحدة من أكثر الأساطير التي غذت حضور جيراندو على الإنترنت، أسطورة “المصدر السري” الذي يضع بين يديه المعلومات الخطيرة، فالمصدر الذي يظهر في التسريبات المتداولة ليس مجرد شخص يهمس بمعلومة صحفية، وإنما طرف له حساباته ومصالحه وخصوماته، ومع التأكيد أن هذا الطرف كان يحدد الأشخاص والملفات والوقائع التي ينبغي تناولها، فإن ما كان يقدم للجمهور باعتباره تحقيقاً مستقلاً، تحوّل إلى مجرد إعادة تدوير لملفات صنعتها أطراف لها مصالحها الخاصة.
وهذه ليست ملاحظة هامشية، بل ضربة مباشرة في صميم الماكينة الإعلامية التي صنع بها جيراندو شهرته، فالتشهير حين ينفصل عن التحقيق والتحقق يتحول إلى أداة، والمعلومة حين تأتي من طرف صاحب مصلحة لا تصبح حقيقة لمجرد أن شخصاً صاخباً قدمها أمام الكاميرا، وعليه، فإن جيراندو لم يكن بالضرورة صاحب الملفات التي يتباهى بها، بل مجرد واجهة قادرة على تحويل خصومات الآخرين إلى محتوى مثير، وتحويل أسماء المستهدفين إلى وقود لمشاهداته وانتشاره.
أما الجانب المتعلق بالمال والتحويلات، فهو أكثر حساسية، لأن التسريبات المتداولة تتضمن إشارات إلى حسابات بنكية وتحويلات مالية، إلى جانب حديث عن والدة جيراندو وعن العلاج والأطباء، وجودها ضمن المحادثات المتداولة يجعلها من أكثر العناصر التي تستوجب التحقق والتدقيق، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بأشخاص يشتبه في صلتهم بتجارة المخدرات.
القضية لن تكون مجرد فضيحة جديدة تضاف إلى فضائح “النصاب” جيراندو، وإنما ستكون ضربة للرواية التي بنى عليها صورته كاملة، الرجل الذي اعتاد الظهور بمظهر صاحب الحقيقة المطلقة سيجد نفسه أمام تسريبات تتناول علاقاته ومصادر معلوماته وطريقة حصوله على الملفات والجهات التي تتحرك خلف بعض مضامينه.
جيراندو أن يضع الآخرين في قفص الاتهام، وأن يمنح نفسه دور القاضي والمحقق والجلاد في آن واحد، وأن يحول كل خصومة إلى مادة للتشهير، وكل معلومة إلى “فضيحة”، وكل ادعاء إلى حقيقة مكتملة.. لكن التسريبات المتداولة قلبت المشهد، وأصبحت الآلية نفسها التي استخدمها طويلاً في ابتزازاته ونصبه على الآخرين.
ويعتبر هذا التسريب واحداً من أثقل الضربات التي تلقاها الخطاب الذي بناه جيراندو حول “المصادر” و”الملفات الحصرية، وكشف القناع الذي طالما حاول إحكامه على وجهه.




