خطيب بدلة
لا يستطيع أحد، بأي وسيلة، ولا حتى بالجراحة، إبعاد وهم المؤامرة عن عقول شريحة واسعة من أولاد بلدنا. المتآمرون معروفون: أمريكا، وإسرائيل، ودول أوروبا العلمانية الديمقراطية، ومنظمات عالمية غير رسمية، مثل الإمبريالية، والصهيونية، والماسونية، ولست أدري إن كانوا قد صنفوا الذكاء الصناعي في خانة المتآمرين علينا. أمريكا، يا أخي العزيز، إذا أرادت أن تتآمر، فهي تتآمر على الصين، أو على الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي، سابقًا، تتآمر على دولة قوية تمتلك سلاحًا نوويًا، مثل كوريا الشمالية، أو على إحدى دول أمريكا الجنوبية، التي تسبب لها مشكلات تتعلق بالهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات، ولكن، مَن نحن، بلا صغرة، حتى تتآمر علينا؟
قد يبدو هذا السؤال مزعجًا، أو مؤلمًا، ينطوي، في أحسن الحالات، على استخفاف ببلادنا، وشعبنا، ولكن التفكير فيه، برأيي، ضروري جدًا، والإجابة عليه، ملحة، لا لشيء إلا لأجل أن نفهم، ونزيل بعض الأوهام من ساحات عقولنا التائهة، والملحّ أكثر، هو تحديد نوع المؤامرة التي يقصدها الشخص المتحدث، لأن لدينا، مع الأسف، تشكيلة واسعة من الكتل السياسية، التي تتبنى فكر المؤامرة، وتدافع عنها باستماتة، فالأخ القومي، البعثي، يقول إن أمريكا، وحباشاتها، يتآمرون علينا، لمنعنا من إقامة الدولة العربية الكبرى، فلو أقيمت هذه الدولة، ستكون قوية جدًا، وسوف تشكل خطرًا استراتيجيًا عليهم، والإخوة الإسلاميون يقولون إن أمريكا تتآمر على المسلمين، في سوريا، مثلًا، بدليل أنها أتت بنظام حافظ الأسد، ودعمته، واعتمدت عليه في لبنان، وجاءت وزيرة خارجيتها، كونداليزا رايس، شخصيًا، سنة 2000، لتبارك عملية توريث بشار، والروس متآمرون، قال وزير خارجيتهم، لافروف، بعظمة لسانه (مع أن اللسان ما فيه عظمة!)، إن روسيا لن تسمح للمسلمين السنّة، بأن يحكموا سوريا، واللاجئون المسلمون، في السويد، يتآمر عليهم “السوسيال”، ويأخذ أطفالهم! ومؤيدو نظام الأسد، يسهبون في الحديث عن مؤامرة أمريكية، صهيونية، تركية، قطرية، للتخلص من نظام بشار الأسد. لماذا؟ لأنه كان شوكة في حلق الصهيونية، والصهيونية هي ربيبة أمريكا، وطفلتها المدللة.
لا تحتاج إلى جهد كبير حتى تفهم هدف هذه البسالة في إقناعنا بأننا ضحية للتآمر، وهو: أننا أبرياء، لا ذنب لنا بالبلاوى الزرقاء التي تنهمر على رؤوسنا، وشلالات الدماء التي تسيل وتهدر على أراضينا، مَن يستطيع أن يقنع كل هؤلاء، أو بعضهم، بأننا نتحمل، أو يجب أن نتحمل كل ما جرى لنا؟
اللاجئون المسلمون في السويد لا يلومون الأنظمة الحاكمة التي هجرتهم من بلادهم، ولا يلومون أنفسهم لأنهم يضربون طفلهم، ويهينونه، ويمسحون الأرض بكرامته، بل يلومون “السوسيال” الذي يأخذ الطفل لكي يحميه منهم. وإذا قلت لهم: يا أخي هذه البلاد ليست بلادك، وهذه قوانينها، فإن لم تعجبك غادرها، يزعل منك، ويشرع بتوبيخك، والطامة الكبرى إذا أنت طلبت منه أن يراجع تفكيره، ومعتقداته، ويصحح سلوكه، ويعرف من هم أعداؤه الحقيقيون، وكيف يجب عليه أن يتعامل معهم، باختصار: هو هكذا. يقول لك: أنا عقلي جزمة قديمة، وهاي الدول متآمرة علينا، يعني متآمرة، والشغلة مو بكيفك!





