تابع المقالة تركيا وإسرائيل والأكراد.. باراك يكشف خريطة أولويات واشنطن في سوريا على الحل نت.
تتحرك الولايات المتحدة في الملف السوري على مسارات متوازية، تبدأ بدمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مؤسسات الدولة، ولا تنفصل عن محاولة احتواء الخلافات بين تركيا والأكراد، ومنع عودة تنظيم “داعش”، إلى جانب تثبيت قنوات التواصل بين دمشق وتل أبيب.
وتكشف تصريحات السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، خلال مقابلة مصورة مع المعلق ماريو نوفال، أن واشنطن تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها مترابطة، وأن نجاح الانتقال السياسي في سوريا يتطلب معالجة المصالح الأمنية المتعارضة بين دمشق والأكراد وأنقرة وإسرائيل.
دمج “قسد”.. تقدم عسكري وتعقيدات سياسية
قال باراك إن عملية دمج “قسد” في الحكومة السورية حققت تقدماً على المستوى العسكري، فيما لا تزال ملفات أخرى، بينها الجانب السياسي والتعليمي المتعلق بالأكراد، قيد البحث.

وأوضح أن قائد “قسد” مظلوم عبدي أعلن الاندماج الكامل، على أساس عسكري، في مؤسسات الدولة، مضيفاً أن واشنطن “لا تزال تعمل” على الجانبين السياسي والتعليمي.
ويعكس هذا التوصيف وفق مراقبون، أن واشنطن ترى أن الجزء العسكري من التفاهمات أصبح أكثر تقدماً من الملفات المرتبطة بوضع الأكراد داخل الدولة السورية، وهي الملفات التي تتصل بطبيعة الإدارة المحلية والحقوق السياسية والتعليم باللغة الكردية وغيرها من القضايا التي ظلت موضع خلاف بين كل من “قسد” ودمشق.
لكن باراك شدد في الوقت نفسه على خصوصية العلاقة بين الولايات المتحدة و”قسد”، التي تشكلت خلال سنوات الحرب على تنظيم “داعش”، وقال إن المقاتلين الأكراد قاتلوا إلى جانب القوات الأميركية في مواجهة التنظيم.
ووصف باراك “قسد” والكرد بأنهم “أصدقاء وحلفاء” للولايات المتحدة، كما أشاد بمظلوم عبدي، واصفاً إياه بأنه “جنرال استثنائي” ساعد واشنطن خلال فترة صعبة.
ولا تعني هذه التصريحات بالضرورة استمرار الترتيب العسكري السابق بين الطرفين، لكنها توضح أن واشنطن تتعامل مع عملية دمج “قسد” باعتبارها عملية لها تبعات على علاقة الولايات المتحدة بالقوى الكردية.
“داعش” يعقّد حسابات واشنطن
ويرتبط مستقبل “قسد”، وفق باراك، بملف آخر هو تنظيم “داعش”. وأشار المبعوث الأميركي إلى وجود نحو 9400 من عناصر التنظيم في السجون داخل سوريا، محذراً من أن غياب آلية قضائية واضحة واستراتيجية طويلة الأمد للتعامل معهم يمثلان خطراً أمنياً.
وقال إن التنظيم يحاول استغلال حالة عدم الاستقرار لإعادة بناء وجوده، في وقت تواجه فيه الحكومة السورية تحدي التعامل مع آلاف المعتقلين المرتبطين بالتنظيم.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى واشنطن، لأن أي فراغ أمني في شمال شرقي سوريا قد ينعكس على قدرة “داعش” على إعادة تنظيم صفوفه، كما قد يضيف ضغطاً جديداً على عملية دمج “قسد” في مؤسسات الدولة.
وأشار باراك أيضاً إلى وجود تنسيق بين تركيا وإسرائيل وسوريا في مواجهة التنظيم، في مؤشر على أن مكافحة “داعش” لا تزال واحدة من المساحات القليلة التي يمكن أن تلتقي فيها مصالح الأطراف المتنافسة في سوريا.
تركيا والأكراد
أشار باراك إلى أن عملية الدمج لا يمكن فصلها عن عقود من الصراع بين تركيا والأكراد، مشيراً إلى الفوارق بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، التي تشكل أحد المكونات الرئيسية في “قسد”.

وبينما تعاونت الولايات المتحدة مع القوات الكردية في الحرب ضد “داعش”، ركزت تركيا على منع قيام بنية عسكرية كردية تعتبرها تهديداً لأمنها القومي على طول الحدود مع سوريا.
ولهذا، فإن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل “قسد” تحتاج، من وجهة النظر الأميركية، إلى مراعاة الحسابات التركية بالتوازي مع مصالح دمشق والأكراد.
ووصف باراك الوضع في شمال شرقي سوريا بأنه “طبقة أخرى” من التوترات المحيطة بالحكومة السورية الجديدة، في ظل تداخل مصالح أنقرة ودمشق والقوى الكردية.
وهنا تبدو إحدى أولويات واشنطن واضحة إلا وهي إتمام دمج “قسد” من دون أن يتحول المسار إلى مواجهة جديدة بين تركيا والأكراد، أو إلى خلاف مباشر بين أنقرة ودمشق.
دمشق وتل أبيب.. خفض التصعيد أولاً
وفي المسار السوري الإسرائيلي، قال باراك إن الولايات المتحدة عملت على تسهيل محادثات مباشرة بين دمشق وتل أبيب، واصفاً الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية بين الجانبين بأنها “مثمرة للغاية”.

وأوضح أن المرحلة الأولى من المحادثات ركزت على أمن الحدود وخفض التصعيد، بدلاً من الدخول مباشرة في الملفات السياسية الكبرى.
وشملت النقاشات، بحسب باراك، ترتيبات تتعلق بمراقبة الحدود والنشاط العسكري في المنطقة، في محاولة لتقليل احتمالات وقوع احتكاك عسكري بين الطرفين.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه إسرائيل تنظر بحذر إلى الحكومة السورية الجديدة، بينما تحاول دمشق تثبيت سيادتها ووقف الضربات الإسرائيلية على أراضيها.
وقال باراك إن الحكومة السورية سعت إلى طمأنة إسرائيل بأنها لا تتبنى سياسة عدائية تجاهها، مشيراً إلى أن انتقال السلطة في دمشق دفع إسرائيل إلى التشكيك في طبيعة السلطة الجديدة ونواياها، خصوصاً في ظل وجود مقاتلين أجانب وعدم اكتمال ملامح السياسة الخارجية السورية آنذاك.
ورغم تركيز المحادثات الأولية على الأمن وخفض التصعيد، فإن باراك أشار إلى بقاء قضية الجولان السوري ضمن الملفات العالقة. وقال إن إسرائيل لا تزال تحتل الجولان، معتبراً أن ذلك يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة والقواعد التي يقوم عليها النظام الدولي.
من جانبها انتقد وزير دفاع إسرائيل تصريح باراك معتبراً أنها تتناقض مع موقف ترامب الذي أقرّ بأحقية إسرائيل بهضبة الجولان.
سوريا التي تريدها واشنطن
في رؤيته لمستقبل سوريا، قال باراك إن الهدف الأميركي يتمثل في الحفاظ على سوريا “دولة ذات سيادة ومستقلة”، مع معالجة المخاوف الأمنية للدول المجاورة.

وأشار إلى أن تركيا لا تسعى، وفق رؤيته، إلى السيطرة على سوريا، إنما تريد أن تبقى دولة سورية ذات سيادة ومستقلة. لكن تحقيق هذا الهدف يصطدم بتعدد الملفات المتنافسة داخل الساحة السورية.
وأِشار باراك إلى أن دمشق تريد تثبيت سيادتها وبناء مؤسسات الدولة، وتركيا تريد ضمان أمن حدودها ومنع تشكل تهديد كردي، والأكراد يسعون إلى الحفاظ على مكاسب سياسية وإدارية تحققت خلال سنوات الحرب، فيما تركز إسرائيل على منع ما تعتبره تهديدات أمنية على حدودها، بينما تظل واشنطن معنية بمنع عودة “داعش”.
ومن هنا، تبدو مهمة الولايات المتحدة أقرب إلى إدارة التوازنات بين هذه الأطراف باعتباره شبكة مترابطة من المصالح.
ويقرأ المراقبون تصريحات باراك على أن أولوية واشنطن تبدو قائمة على منع الانفجار أكثر من حسم الخلافات: دمج “قسد” من دون إقصاء الأكراد، طمأنة تركيا من دون إعادة إنتاج صراع كردي تركي داخل سوريا، إبقاء قنوات دمشق إسرائيل مفتوحة لتقليل التصعيد، ومنع “داعش” من استغلال أي فراغ أمني.
- تركيا وإسرائيل والأكراد.. باراك يكشف خريطة أولويات واشنطن في سوريا
- قتلى “الحوثي” وشراكة مكة.. هل تتغير موازين الحرب في اليمن؟
- عرش سبئي في متحف فرنسي.. كيف خرج من اليمن؟
- أطفال اليمن بلا لقاحات.. ومخاوف من عودة الأمراض الفتاكة
- سوريا قد تنضم إلى “اتفاقية مكة”.. ما الدلالات والتداعيات؟
تابع المقالة تركيا وإسرائيل والأكراد.. باراك يكشف خريطة أولويات واشنطن في سوريا على الحل نت.

