"طرد" السفير الإيراني... تمرّد دبلوماسي يختبر سيادة لبنان
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
المحامي رفيق اورى وليد غريزيمنذ خطّ التاريخ ملامح الدبلوماسية الأولى، لم تكن الحصانة يوماً صك تمليك، بل جسر عبور لتبادل المصالح. من بروتوكولات فيينا 1815 وصولاً إلى اتفاقية 1961، ظل العالم يبحث عن ناظم يحفظ للدولة الموفدة هيبتها وللمضيفة سيادتها. غير أن ما نشهده اليوم من تمرد السفير الإيراني على قرار الدولة اللبنانية بترحيله، يضعنا أمام سابقة تكسر منطق القانون، وتحول الدبلوماسية من درع للحوار إلى خنجر في خاصرة السيادة.الحصانة تنتهي بانتهاء الرضايقول الفقيه شارل روسو: القانون الدولي تنسيق بين سيادات، وليس خضوعاً لإرادات. وبناءً عليه، فإن الحصانة تقوم على الرضا المتبادل؛ فإذا سحبت الدولة المضيفة رضاها بموجب المادة (9) من اتفاقية فيينا، تصبح إقامة السفير اعتداءً مادياً (Voie de fait) على إرادة الدولة. وهنا يبرز منطق لويس كافاريه؛ فالحصانة مُنحت للسفير لكي يعمل، فإذا انتهت الوظيفة بقرار السيادة، سقط مبرر الحصانة فوراً، وتحول المبعوث إلى مغتصب للسيادة يواجه الردع السيادي الذي نادى به القاضي جيلبرت غيوم.وقد رأى القاضي الفرنسي الأسبق في محكمة العدل الدولية الفقيه جيلبرت غيوم (Gilbert Guillaume) أن اتفاقية فيينا ليست درعاً للإفلات من العقاب؛ فالدولة المضيفة التي تتحمل وجود دبلوماسي على أرضها، تملك الحق في إنهاء هذا التحمل في أي لحظة. ويرى أن رفض المغادرة يمنح الدولة المضيفة الحق في الردع السيادي.وعليه، تطرح الأسئلة التالية، ما هي تبعات تعنت السفير الايراني في مخالفة قرار الدولة اللبنانية بالمغادرة من الناحية الشخصية كسفير غير مرغوب فيه بالنظر الى القانون الوضعي اللبناني؟ وما هي تبعات هذه المخالفة تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران؟لا حصانة ضد السيادةتعد قضية الموظفين الأميركيين في طهران (1980) الدستور المفسر لاتفاقية فيينا؛ إذ أكدت محكمة العدل الدولية أن النظام الدبلوماسي قائم بذاته (Self-contained regime)، ومنحت المادة (9) الدولة المضيفة سلطة تقديرية مطلقة لإنهاء حصانة أي مبعوث فوراً ودون إبداء الأسباب. وفي قضية غينيا الاستوائية ضد فرنسا (2020)، ثبتت المحكمة حق الدولة المضيفة في رفض الصفة الدبلوماسية لأشخاص أو عقارات لا توافق عليها. كما أكد القضاء البريطاني في قضية امبسون ضد سميث أن سقوط الصفة الرسمية يرفع الدرع عن الأعمال غير الرسمية فوراً.ونشير الى حادثة المكتب الشعبي الليبي في لندن العام 1984، فبعد إطلاق نار من داخل السفارة الليبية والذي أدى إلى مقتل شرطية بريطانية، أعلنت بريطانيا طاقم السفارة بالكامل أشخاصاً غير مرغوب فيهم. وحين رفض الدبلوماسيون الليبيون المغادرة واعتصموا داخل المبنى، أمهلتهم لندن أسبوعاً. ومع انتهاء المهلة، قامت الشرطة البريطانية بمحاصرة السفارة بالكامل وقطع كافة أشكال التواصل والخدمات عنها، وبعد انتهاء المهلة قامت بإخراجهم تحت الحراسة الأمنية المشددة ومن ثم قامت بتفتيشهم جسدياً قبل ترحيلهم، رغم التذرع بالحصانة، وسوقهم إلى الطائرة تحت الحراسة، معتبرة أن حصانتهم تبخرت في اللحظة التي انتهت فيها المهلة.وفي العام 1986، وفي ذروة الحرب الباردة، أمرت الولايات المتحدة بطرد 25 دبلوماسياً سوفياتياً من بعثة الأمم المتحدة بتهمة التجسس، و شكك الاتحاد السوفايتي في قانونية القرار وحاول المماطلة في التنفيذ. فيما أكدت الإدارة الأميركية في حينه أنها ستلجأ إلى الترحيل القسري (Forced Expulsion) إذا لم يغادروا في الموعد المحدد. وأوضحت وزارة العدل الأميركية حينها أن الرئيس يملك سلطة دستورية لإخراج الدبلوماسيين المطرودين بالقوة لأنهم لم يعودوا متمتعين بأي وضع قانوني يحميهم من قوانين الهجرة المحلية.التكييف الجرميبمنطق القانون اللبناني، يخرج إصرار السفير على البقاء من عباءة الدبلوماسية ليدخله دائرة الجريمة. إن فعله يقع تحت طائلة (المادة 288 عقوبات)، كونه يعرض لبنان لأعمال عدائية ويعكر صلاته بالأسرة الدولية. كما يلامس جرم اغتصاب سلطة ( المادة 306 ) وانتحال صفة ( المادتان 392 و393)؛ فالسفير المطرود مواطن عادي أمام الضابطة العدلية. أما قانون تنظيم دخول الأجانب واقامتهم (1962)، فيمنح مدير عام الأمن العام سلطة الترحيل الإداري القسري (Expulsion) دون حكم قضائي، باعتباره خطراً على الأمن القومي بموجب المادة 17 من قانون دخول وإقامة الأجانب في لبنان (1962).المقاضاة الدوليةإن إبقاء إيران سفيرها فعل غير مشروع دولياً. وأمام لبنان مسار محكمة العدل الدولية بناءً على البروتوكول الاختياري، للمطالبة بإعلان المسؤولية الدولية لإيران لخرقها المادة (9)، والمطالبة بـالتعويض عن الضرر المعنوي (Satisfaction) الذي لحق بـ هيبة الدولة، وإلزام طهران بسحب مظاهر الحماية عن المتمرد.سيف السيادةتجمع المحاكم على أن الحصانة ليست حقاً أبدياً، بل هي منحة سيادية تنتهي بقرار المضيف. المبعوث الذي يعلن السفير على أنه Persona Non Grata (شخصاً غير مرغوب فيه)، ويرفض المغادرة بعد المهلة المحددة يتحول من دبلوماسي محمي إلى أجنبي متعدٍ، يملك الأمن العام صلاحية التدخل المباشر ضده.إن السيادة اللبنانية ليست وجهة نظر تُناقش، ولا هبة تُمنح؛ إنها الحق الطبيعي للأرض وأصحابها. والمادة 9 من اتفاقية فيينا هي سيف السيادة الذي يقطع يد التدخل. رسالتنا اليوم: لا حصانة فوق كرامة الوطن، ولا دبلوماسية فوق هيبة القانون. لقد انتهت مهلة الأدب الدبلوماسي، وبدأت مهلة السيادة الوطنية. فإما أن يُحترم لبنان كدولة، وإما أن نعلن أن القانون الدولي قد مات على عتبات السفارات.




