ترامب يبيع الوهم.. والعرب ليسوا جمهوريات موز
ترامب يبيع الوهم.. والعرب ليسوا جمهوريات موز
بقلم د. محمد بني سلامة
في مشهد يعكس ذروة الغرور السياسي الأمريكي، خرج دونالد ترامب مجددًا يلوّح بما يسميه “السلام” في الشرق الأوسط، وكأن الرجل ما يزال يعتقد أن المنطقة تُدار بعقلية الصفقات العقارية، وأن شعوبها ودولها يمكن أن تُقاد بتغريدة أو بابتسامة متغطرسة أمام الكاميرات. حديث ترامب عن توسيع ما يسمى “اتفاقيات إبراهيم” ليس إلا محاولة يائسة لإنعاش مشروع مات سياسيًا وأخلاقيًا منذ اللحظة التي تحولت فيها غزة إلى مقبرة مفتوحة للصمت الدولي والنفاق الغربي.
ترامب، الذي يتصرف وكأنه إمبراطور العصر، يعيش في عالم من الأوهام السياسية الثقيلة. يظن أن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على فرض إرادتها على الجميع، بينما الحقيقة أن واشنطن في عهده تعيش واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية؛ انقسام داخلي، اهتزاز في صورتها العالمية، سقوط أخلاقي مدوٍّ، وعجز فاضح عن إدارة أزمات العالم إلا عبر صناعة المزيد منها.
أما حديثه عن “السلام”، فهو أشبه بمن يشعل النار في البيت ثم يوزع منشورات عن الوقاية من الحرائق. أي سلام يتحدث عنه ترامب بينما إسرائيل تواصل سياساتها العدوانية، وتدك غزة، وتهدد لبنان، وتعبث بسوريا، وتتعامل مع القانون الدولي كما تتعامل العصابات مع إشارات المرور؟ أي سلام هذا الذي يُطلب من العرب التوقيع عليه بينما الدم الفلسطيني ما يزال ساخنًا تحت الركام؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن ما سُمي بـ”اتفاقيات إبراهيم” لم يكن مشروع سلام، بل مشروع علاقات عامة أمريكي إسرائيلي هدفه تلميع الاحتلال وتحويل الجريمة إلى “شراكة استراتيجية”. لكن المشكلة الكبرى أن ترامب ومن حوله لم يدركوا بعد أن الدول العربية والإسلامية ليست جمهوريات موز، وليست حدائق خلفية للبيت الأبيض، بل دول راسخة تعرف مصالحها جيدًا، وتستطيع أن تقول لترامب ألف “لا” حين يتجاوز الحدود السياسية والأخلاقية.
الولايات المتحدة، رغم ضجيجها العسكري والإعلامي، لم تحقق نصرًا على إيران، ولن تحقق. وكل محاولات التهديد والابتزاز لم تُنتج إلا مزيدًا من الفوضى والتوتر. لا حرب حسمت، ولا سلام تحقق، ولا استقرار وُلد من رحم السياسات الأمريكية العوجاء. بل إن المنطقة بأسرها دفعت ثمنًا باهظًا لسياسات قائمة على الغطرسة، والكيل بمكيالين، ودعم الاحتلال بلا حدود.
والمفارقة الساخرة أن ترامب يطالب العرب بـ”السلام” مع كيان لا يحترم أصلًا أي اتفاق سلام، ولا يلتزم بمواثيق دولية، ولا يقيم وزنًا للقانون الدولي أو للقرارات الأممية. نحن أمام دولة مارقة مكتملة الأركان، تُمارس الاغتيال والحصار والتهجير والتجويع علنًا، ثم تريد من الجميع أن يصفقوا لها باعتبارها “شريك سلام”!
أما ما يسمى “مجلس السلام العالمي” الذي روّج له ترامب وحلفاؤه، فقد وُلد ميتًا، لأنه قام على إنكار الحقيقة الأساسية: لا يمكن بناء سلام حقيقي فوق جماجم الأطفال، ولا على أنقاض العدالة، ولا عبر تجاهل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
إن أفضل موقف يمكن أن تتخذه الدول التي خاطبها ترامب اليوم هو تجاهل دعوته بالكامل، وتذكيره فقط بصورة غزة؛ المدينة التي فضحت الغرب كله، وكشفت أن الحديث الأمريكي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس أكثر من ديكور سياسي يُستخدم عند الحاجة ويُرمى عند أول اختبار حقيقي.
لقد تغيّر العالم يا ترامب. ولم تعد الشعوب تُخدع بالشعارات البراقة، ولا بالصفقات المعلبة، ولا بمسرحيات “السلام مقابل الصمت”. المنطقة اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين السلام الحقيقي والاستسلام المغلف بورق دبلوماسي رخيص.
هذا المحتوى ترامب يبيع الوهم.. والعرب ليسوا جمهوريات موز ظهر أولاً في سواليف.





