ترامب والتدهور الأخلاقي الأميركي
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي لأي مجتمع ليس معيارًا للتحضر، فالعلم والتقنية والوفرة الاقتصادية هي من عوامل القوة وأسباب الهيمنة والتمكين، لكنها لا تدل على تحضر المجتمع. إن التقدم الحضاري لأي مجتمع يقاس بالأخلاق التي تلتزم بها السياسة وينتظم عليها السلوك العام. وبالرغم من أن الأخلاق بهذه الأهمية الجوهرية، فإنها ذات أساس هش وسريع العطب، فالأخلاق ضبط وكبح وتنظيم وتقييد، إنها تمثل ضبطًا للنوازع الطبيعية في الإنسان، وتنظيمًا لتصرفاته، وكبتًا لشروره، وتقييدًا لرغباته، فطبيعة الإنسان تجعله يميل تلقائيًا إلى التفلت من القيود، والتحرر من الضبط، والخروج على النظام، ومقاومة الكبح. إن بناء الأخلاق الرفيعة يتطلب جهدًا منتظمًا وكثيفًا ومستمرًا، أما انفلات النوازع الأنانية والطبائع الحيوانية في الإنسان فلا يتطلب سوى إرخاء الضوابط لتندلع. بعض المجتمعات يكون متهيئًا أكثر من غيره للتدهور الأخلاقي، فالمجتمع الأميركِي مثلًا يمجد الثروة ويحتفي بالنزعة الفردية ويشجع التدافع على النجاح، لذلك فهو مجتمع تنطوي ثقافته على تحريض ضمني على السلوك الأناني والانفلات من الكوابح الأخلاقية. حين نقرأ تاريخ التأسيس الأميركِي ونقرأ فلسفة فيلسوف الثورة الأميركِية توماس بين، وكذلك حين نقرأ سيرة حياة المؤسسين من أمثال جيفرسون وواشنطن وفرانكلين، وحتى من جاؤوا بعد مثل لنكولن، وكذلك حين نقرأ الفلسفة الأميركِية نجد أفكارًا إنسانية عظيمة في فلسفة إيمرسون وغيره، لكن تاريخ أميركا مشحون بالعنف والقسوة والتسلط والحروب والعدوان، فأميركا تأسست من اتحاد ثلاث عشرة ولاية فقط، ولكنها الآن تجاوزت الخمسين ولاية، ويتطلع ترامب لضم كندا وغرينلاند وربما فنزويلا وكوبا. إنَّ سلوك ترامب قد قلب كل المفاهيم، فهو حين يجلس على مكتبه يتحدث يقف الرجال خلفه وكأنه من أباطرة العهود القديمة، ويبقون وقوفًا حتى ينهض، وهو أسلوب غير معهود، ويدل على قابلية البشر للانحدار السريع. إن سلوك ترامب وبذاءاته ضد الرؤساء السابقين قد تؤدي إلى انهيار الأخلاق في أميركا بشكل فظيع. إنَّ النظام الانتخابي الأميركِي يسمح بتمويل المباريات الانتخابية، فيصبح الرئيس المنتخب مدينًا لمن دعموه، وهذا سبب ضخم للفساد والتدهور الأخلاقي. يعرف المتابعون بأن ترامب يواصل السب والسخرية والشتيمة والتنقص للرؤساء الديمقراطيين من أمثال أوباما وبايدن، يواصل السب بمستوى يتنافى مع أبسط المبادئ الأخلاقية، فإذا كانت هذه أخلاق من هو في القمة، وهو النموذج للملايين المؤيدين، فكيف ستكون أخلاق الشعب؟! إنَّ النظام الأميركِي ينطوي على خلل فظيع، وقد دلت ظاهرة ترامب على مدى هشاشة الأوضاع الإنسانية، سواء على المستوى الأميركِي أو على المستوى العالمي، فترامب اعتدى على فنزويلا وأخذ رئيسها مقيدًا من وسط عاصمته ومن غرفة نومه، ولم يحصل أي استنكار عالمي، وهذا يؤكد هشاشة الأوضاع الإنسانية وقابليتها لتحولات مدمرة.



