توقّف عن تحمّلهم
يقول ماركوس أوريليوس في كتاب “التأملات”: “الوقت الذي تُضيّعه على من لا يستحق سرقة من روحك”.
ثمة حقيقة يدركها الإنسان متأخرًا، بعد أن تراكمت فوق كاهله سنوات من العطاء الذي لم يُقابَل بمثله، ومن الوجود في حياة من لم يستحقوا هذا الوجود يومًا؛ وهي أن بعض العلاقات لا تبنيك، بل تستنزفك، وبعض الأشخاص لا يضيئون حياتك، بل يسرقون من وهجها ويمضون. والمفارقة المؤلمة أن هذا الإدراك لا يأتي في لحظة واحدة كاشفة، بل يتسرب ببطء، كماء بارد يتسلل تحت الباب في ليلة شتاء، حتى تجد نفسك وقد ابتللت من الداخل دون أن تعلم.
لم يقل لنا أحد في مرحلة تشكّلنا الأولى إن الحاجة إلى الآخرين ليست فضيلة مطلقة. قيل لنا أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وهذا صحيح، لكن لم يُكمَل لنا الحديث؛ فعلم الاجتماع الذي يؤسس لهذه المقولة يُقرّ في الوقت ذاته بأن الروابط الاجتماعية ليست جميعها بنّاءة، وأن منها ما هو وظيفي محض، ومنها ما هو استغلالي في جوهره، ومنها ما يقوم على تبادل غير متكافئ يُضعف طرفًا ويُقوّي آخر. إميل دوركايم حين تحدث عن التضامن الاجتماعي لم يكن يدعونا إلى استيعاب كل من يدّعي القرب منا؛ كان يتحدث عن شبكات تعزز الانتماء وتصون الكرامة المتبادلة. فحين تغيب هذه الكرامة من طرف واحد، تسقط العلاقة من دائرة التضامن إلى دائرة التبعية، ومن هناك إلى دائرة الأذى.
وعلم النفس بدوره لا يتركنا بلا إجابة. منذ أن وضع أبراهام ماسلو هرمه الشهير، كان التقدير والاحترام في صميم الحاجات الإنسانية الجوهرية، لا في هوامشها. والشخص الذي يؤذيك—بكلمة ترميها دون اكتراث، أو بصمت مُحسوب يُذلّ، أو بنظرة فيها من الاستهانة ما لا تقوله الألفاظ—هذا الشخص لا يُقوّض راحتك فحسب، بل يعبث بصورتك عن نفسك. وهذا ما يُسميه علماء النفس بـ”الإهانة التراكمية”؛ تلك الجروح الصغيرة التي تبدو كل واحدة منها هيّنة، لكنها حين تتكاثر تصنع ندبة عميقة في المفهوم الذي يحمله الإنسان عن ذاته وعن قيمته في العالم.
والإشكال ليس في الأذى ذاته بقدر ما هو في الوهم الذي نُقيم فيه طويلًا؛ وهم أن الاحتمال فضيلة، وأن الصبر على من يؤذينا دليل نضج، وأن مواصلة العطاء لمن لا يرى عطاءنا إيثارٌ نبيل. هذا الوهم بالتحديد هو ما يجعلنا نمنح من لا يستحق وقتنا وطاقتنا وحضورنا، بينما نحرم من أنفسنا ما نستحقه نحن من هدوء وسلام ووجود مع من يرانا فعلًا. الاحتمال المزمن لمن يؤذي ليس فضيلة؛ إنه عادة مكتسبة تلبس ثوب الفضيلة، وكثيرًا ما تجد جذورها في خوف قديم من الوحدة، أو في إدمان خفي على القبول، أو في اعتقاد راسخ—غرسه فينا شيء ما في مرحلة سابقة—بأننا لا نستحق أكثر مما نحصل عليه.
الاعتزال إذن—وهذه هي الحقيقة التي يستعصي على كثيرين استيعابها—ليس انكسارًا ولا هروبًا ولا دليلًا على ضعف. الاعتزال في جوهره قرار يقول: “لقد رأيتك على حقيقتك، وأعدتُ لك مقامك الفعلي في حياتي.” إنه فعل معرفي قبل أن يكون فعلًا عاطفيًا؛ لأنه يبدأ من لحظة إدراك لا من لحظة انفجار. ليس الاعتزال هو أن تغضب وتنسحب، بل هو أن تقيس بهدوء ووضوح ما تُضيفه هذه العلاقة إليك وما تأخذه منك، ثم أن تتخذ قرارك من فوق هذه المعادلة لا من تحتها.
وإعادة الإنسان إلى مقامه الحقيقي في حياتك ليست قسوة؛ بل هي أعلى درجات الصدق مع النفس ومع الواقع. نحن نُعطي الناس في أغلب الأحيان مقامًا أعلى مما يستحقون بناءً على تاريخ مشترك، أو قرابة، أو ذكرى قديمة ظللنا نُحسن في تقديرها. لكن المقام الحقيقي لأي شخص في حياتك لا يُحدده ما كان، بل ما يكون؛ لا يُحدده ما قاله يومًا، بل ما يفعله اليوم. ومن يُؤذيك باستمرار ويراك أداةً لاحتياجاته لا شخصًا له كيانه وكرامته، هذا الإنسان قد حدّد هو بنفسه مكانه الذي يستحق، وما عليك أنت إلا أن تُصادق على هذا التحديد وتُجريه على أرض الواقع.
البعض يُطلق على هذا الوعي اسم “البرودة” أو “الأنانية”، لأنهم اعتادوا على نسخة منك تعطي دون حساب وتستحمل دون حدود. لكن الحدود—كما أثبتت عقود من البحث النفسي—ليست جدارًا يمنع الحب، بل هي الأرضية التي يقوم عليها الحب الصحي والعلاقة السليمة. من لا يحترم حدودك لا يحترمك، ومن لا يحترمك لا يستحق الحضور الكامل في حياتك. وهذا لا يعني أن تُلغيه من الوجود، بل أن تُنقله من الصف الأول إلى المقعد الذي يليق به: يُحيّيه عقلك دون أن يسكن قلبك، وتسلم عليه يدك دون أن تنتظر منه شيئًا.
والحياة—على غرابة ما فيها—تستقيم حين نتوقف عن ملء فراغاتها بأشخاص لا يُكملوننا. تستقيم حين نُدرك أن الوحدة التي نخشاها مع أنفسنا أهدأ بكثير من الضجيج المؤلم مع من لا ينبغي أن يكونوا في المكان ذاته الذي نكون. ليست الحياة الجيدة هي الحياة المكتظة بالوجوه، بل هي تلك التي فيها من يستحق أن يرى وجهك حقًا، ومن حين ترى وجهه تشعر أنك أقل وحدة في هذا العالم لا أكثر.
اعتزل من يُؤذيك، لا عقابًا له، بل رحمةً بك أنت. وأعِده إلى حجمه الحقيقي، لا كرهًا فيه، بل أمانةً مع نفسك. فأنت—وإن لم يقل لك أحد ذلك بوضوح—لست مُلزمًا أن تحتمل من لا يرى فيك ما يستحق الاحتمال.
The post توقّف عن تحمّلهم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





