#سواليف
إعداد: م. ماجد أبو زاهرة
تداولت العديد من الصفحات ومنصات التواصل الاجتماعي معلومات تتحدث عن “اصطفاف ستة كواكب” سيكون مرئياً في سماء ما قبل الفجر يوم 12 أغسطس 2026 مع الإشارة إلى أن الكواكب هي عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل وأورانوس وأنها ستظهر مجتمعة على امتداد مسار الشمس في مشهد فلكي نادر.
لكن هذا الوصف يحتاج إلى تصحيح علمي مهم لأن هناك فرقاً كبيراً بين وجود عدة كواكب في منطقة واحدة من السماء وبين القول إن جميع هذه الكواكب ستكون مرئية بوضوح في سماء الفجر بالعين المجردة.
كوكب الزهرة ليست ضمن قائمة الكواكب في التجمع الصباحي المذكور فالقائمة المتداولة لهذا التجمع تضم المشتري وعطارد والمريخ وزحل وأورانوس ونبتون وليس الزهرة فهذا الكوكب في هذه الفترة ليس في سماء الفجر ولذلك فإن إدراجه ضمن الكواكب الستة التي ستظهر قبل شروق الشمس غير صحيح.
هنا تظهر مشكلة أخرى أكثر أهمية وهي استخدام عبارة “ستة كواكب مرئية” من دون تحديد المقصود بكلمة “مرئية”. فوجود الكواكب الستة في المنطقة نفسها من السماء لا يعني إطلاقًا أن الشخص يستطيع رؤيتها جميعاً بالعين المجردة.
الكواكب لا تصطف فعلياًً في خط مستقيم في الفضاء وإنما تظهر لنا من الأرض موزعة على امتداد منطقة قريبة من مسار الشمس وهو المسار الظاهري الذي تتحرك عليه الشمس والكواكب في السماء ويعود ذلك إلى أن مدارات معظم كواكب النظام الشمسي تقع في مستويات متقاربة لذلك فإن ما يسمى “اصطفاف الكواكب” هو في الحقيقة تجمع أو اصطفاف ظاهري من منظور الأرض وليس اصطفافاً هندسياً للكواكب في صف واحد داخل الفضاء.
وعندما ننتقل من الخريطة الفلكية إلى السماء الحقيقية التي سيرصدها الناس في السعودية والعالم العربي يصبح المشهد أكثر إختلافاً. فزحل والمريخ هما اوضح كوكبين يمكن رؤيتهما بالعين المجردة خلال سماء ما قبل الفجر ة بالنسبة إلى عامة الناس.
أما عطارد فسيكون منخفضاً جداً فوق الأفق الشرقي ولذلك ستكون رؤيته أكثر صعوبة وقد تتاح فرصة لرصده بالعين المجردة من المواقع التي تتمتع بأفق شرقي مفتوح تماماً وسماء صافية ولكن انخفاضه وقربه من وهج الشفق الصباحي سيعملان على إضعاف ظهوره.
أما المشتري،ك فعلى الرغم من وجوده ضمن الترتيب الهندسي للكواكب فإن انخفاضه وقربه من وهج الشفق الصباحي يجعلان رصده أكثر صعوبة وبالتالي، فإن إدراجه ضمن قائمة “الكواكب الستة المرئية” من دون توضيح صعوبة رصده قد يعطي القارئ تصورًا غير واقعي عن المشهد.
وتصبح المسألة أكثر وضوحاً عند الحديث عن أورانوس ونبتون. فأورانوس خافت جداً للرؤية بالعين المجردة في مثل هذه الظروف بينما نبتون أخفت بكثير ولا يمكن رؤيته بالعين المجردة أصلًا ويحتاج إلى تلسكوب لرصده. وبالتالي عندما تقول إحدى الصفحات إن “ستة كواكب ستكون مرئية” يجب أن نسأل مباشرة: مرئية بأي وسيلة؟ وبأي درجة من الوضوح؟ ومن أي موقع على الأرض؟ وفي أي وقت تحديداً؟ فهذه الأسئلة ليست تفاصيل مهمة وهي جوهر عملية الرصد الفلكي فالكوكب الذي يظهر على الخريطة الفلكية لا يعني بالضرورة أنه سيكون ظاهراً للعين المجردة فقد يكون منخفضاً جداً فوق الأفق أو قريبًا من الشمس أو غارقًا في وهج الشفق أو خافتاً بحيث يحتاج إلى منظار أو تلسكوب.
كما أن القول إن الحدث سيحدث تحديداً في 12 أغسطس لا يعني أن هناك لحظة واحدة تظهر فيها الكواكب الستة فجاءة ثم تختفي. فالكواكب تتحرك باستمرار حول الشمس وتتغير مواقعها الظاهرية تدريجياً من يوم إلى آخر ولذلك فإن التجمع يمتد على فترة من الأيام بينما تتغير ظروف الرؤية لكل كوكب خلال هذه الفترة.
وعليه فإن الوصف الأكثر دقة هو أن هناك تجمعاً ظاهرياً لعدة كواكب في سماء ما قبل الفجر خلال أغسطس 2026 لكن ليس جميعها قابلًا للرصد بالعين المجردة وبالنسبة إلى الراصد في السعودية والعالم العربي فإن المشهد الذي يستحق المتابعة فعلياً هو زحل والمريخ في سماء الفجر مع محاولة رصد عطارد منخفضاً قرب الأفق الشرقي في ظروف مناسبة بينما تحتاج الأجرام الخافتة مثل أورانوس ونبتون إلى تلسكوب ويكون رصد المشتري أكثر صعوبة بسبب انخفاضه وقربه من الشفق.
لذلك فإن عبارة “اصطفاف ستة كواكب سيكون مرئياً” تبدو جذابة إعلامياً لكنها ليست أفضل وصف لما سيراه الإنسان بعينه في السماء. والأدق علميًا أن نقول: “تجمع ظاهري لعدة كواكب على امتداد مسار الشمس في سماء ما قبل الفجر” يمكن رصد بعضها بالعين المجردة بينما تحتاج الأخرى إلى ظروف أو أجهزة رصد مناسبة» وهذا التفريق مهم حتى لا تتحول ظاهرة فلكية حقيقية إلى عنوان مبالغ فيه يرفع توقعات الناس ثم يخرج الراصد إلى السماء ولا يجد سوى كوكبين واضحين فيعتقد أن المعلومة كانت خاطئة بالكامل.
هذا المحتوى توضيح فلكي حول “اصطفاف ستة كواكب” ظهر أولاً في سواليف.





