تمثالُ العالِم الذي فكّ رموز الهيروغليفية... معرض يوثّق ولادته وجدله
لمناسبة انتقال التمثال الشهير الذي يُمثل العالم الفرنسي جان فرنسوا شامبليون (1790-1832) من ساحة جامعة الكوليج دو فرانس في قلب الحي اللاتيني في باريس، إلى متحف النحاتة الفرنسية كاميل كلوديل (1864-1943)، يُقام في قاعات المتحف معرض جديد يروي حكاية صنع التمثال على يد النحات الفرنسي أوغوست بارتولدي (1834-1904) وهو من أشهر أعماله، إلى جانب تمثال الحرية الذي يطل علينا في نيويورك.

شامبليون، الملقب بـ"رائد علم المصريات"، تمكن من فك رموز اللغة الهيروغليفية عام 1822 بعدما درس الكتابات المحفورة على "حجر رشيد". كان لامعا في تعلم اللغات منذ الصغر وانتقل وهو الخامسة عشرة من عمره إلى باريس حيث تعلم العبرية والعربية والفارسية والسريانية والقبطية على يد متخصصين كبار. والأكيد أن تعرّفه إلى "حجر رشيد" الذي عُثر عليه في مدينة رشيد المصرية عام 1799، شكل تحولا كبيرا في حياته.
هذا الحجر المحفوظ في المتحف البريطاني، هو نصب من البازلت الأسود نُقشت عليه كتابات بثلاث لغات هي الهيروغليفية واليونانية القديمة والمصرية الشعبية القديمة القريبة من القبطية. وبفضل جهود العالم الفرنسي عادت اللغة الهيروغليفية إلى الحياة بعد غياب قرون طويلة مما سمح بدراسة تاريخ الحضارة الفرعونية وترجمة نصوصها إلى اللغات الأخرى.

مات شامبليون وهو في مطلع الأربعين من عمره، لكنه دخل التاريخ من بابه الواسع، وكان لا بد من تخليد ذكراه كواحد من عظماء العلماء في فرنسا. في هذا الإطار ولدت مبادرة النحات بارتولدي الذي أنجز تمثالا له استقر في ساحة الكوليج دو فرانس منذ عام 1878 وبقي فيها حتى انتقاله مطلع هذا العام إلى متحف النحاتة كاميل كلوديل حفاظا عليه من التلوث وانعكاسات مرور الزمن.

يروي المعرض الجديد، قصة هذه المنحوتة مع وثائق تاريخية وصور نادرة تعكس إعجاب بارتولدي بشامبليون وغيره من العلماء الفرنسيين الذين كرسوا حياتهم للحضارة المصرية القديمة. لم يكن شامبليون أول عالم فرنسي يزور مصر، فعندما قام الجنرال نابوليون بونابرت بحملته الشهيرة عام 1789 اصطحب معه جيشا من العلماء سجلوا مشاهداتهم للمعالم التاريخية والمعابد والمدن ومظاهر الحياة اليومية المصرية في الكتاب الشهير المعروف باسم "وصف مصر"، ولا يزال الكتاب إلى اليوم مرجعا أساسيا لكل المتخصصين في الحضارات المصرية.

زار بارتولدي مصر عام 1855 برفقة الرسام المستشرق جان لوي جيروم وعبر معه نهر النيل من القاهرة إلى أسوان. وخلال هذه الرحلة التقط النحات صورا للمناظر الطبيعية وللعمارة وأنجز عشرات الرسوم التي نشاهدها اليوم في المعرض وتروي قصة عشقه لمصر. بعد عشر سنوات من عودته إلى فرنسا، قرر إنجاز تمثال العالِم شامبليون ويبدو فيه واقفا متأملا وتحت قدمه اليسرى رأس فرعوني. نشاهد في المعرض جميع المراحل التي قطعها التمثال قبل أن يصبح المنحوتة الكبيرة المصنوعة من الرخام التي نعرفها اليوم. أما اختيار "الكوليج دو فرانس" لعرض المنحوتة فيرجع إلى كون شامبليون، وبعد زيارته لمصرعام 1828، ألقى أولى محاضراته في علم المصريات في هذه الجامعة عام 1831.

يتوقف المعرض عند رؤية بارتولدي لمنحوتته وأبعادها الثقافية وكيف قدم شامبليون كبطل إغريقي تمكن من حل لغز أبي الهول الذي يبدو محطما عند قدميه. قد تبدو هذه الوضعية صادمة اليوم واستفزازية لعدد من المصريين الذين عبروا عن استيائهم من التمثال كما يبين لنا المعرض وطالبوا بإزالته من ساحة الكوليج دو فرانس بسبب تعبيره، بحسب رأيهم، عن فكر استعماري يكرس فكرة تفوق حضارة على حضارة أخرى. ولا يزال الجدال دائرا إلى اليوم.




