تمسك زعيم "البوليساريو" بخيار الاستفتاء يقوض الجهود الأممية لحل النزاع
اختار زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، رفع خطاب التصعيد في مواجهة المساعي الأممية والأمريكية الرامية إلى تسوية نزاع الصحراء المغربية، موردا أن جولات المشاورات التي احتضنتها مدريد وواشنطن لا تعكس، بحسبه، مقاربة منصفة، في وقت تشير فيه المعطيات إلى تزايد الضغوط على الجبهة لدفعها نحو التعاطي مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأرضية واقعية للحل.
وفي خطاب ألقاه خلال إحياء الذكرى الخمسين لتأسيس الجبهة الانفصالية بمخيمات تندوف، تمسك غالي بخيار “تقرير المصير” كمرجعية وحيدة، مستندا إلى قرارات مجلس الأمن، معتبرا هذا الطرح السبيل الوحيد لتحقيق ما وصفه بـ”السلام النهائي”، في موقف يعكس استمرار الجمود في رؤية قيادة البوليساريو لمسار التسوية.
وبالموازاة مع ذلك، دعا المتحدث ذاته الاتحاد الأوروبي إلى وقف أي اتفاقيات مع المغرب تشمل الأقاليم الجنوبية، في إشارة إلى مجالات الفلاحة والصيد البحري والنقل الجوي، رغم الدينامية المتقدمة التي تشهدها الشراكة بين الطرفين، بينما سجل خطابه تفاعلا فاترا داخل المخيمات، وسط مؤشرات على تراجع الثقة وتنامي الانتقادات الداخلية، في ظل تحولات دولية تميل بشكل متزايد لصالح الطرح المغربي.
الضغط الدولي
تعليقا على الموضوع، قال نجيب التناني، رئيس المركز المتوسطي لحقوق الإنسان، إن خطاب إبراهيم غالي يندرج في إطار طمأنة ساكنة مخيمات تندوف واحتواء مؤشرات العصيان الداخلي، في ظل تزايد مظاهر التمرد عقب صدور القرار 2797 وتوالي المواقف الدولية، خاصة الأوروبية، التي أضعفت ما كان يُعتبر سندا تقليديا للجبهة.
وأضاف التناني، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا الخطاب يأتي أيضا في سياق احتفالي رمزي يواكب مرور خمسين سنة على تأسيس الجبهة، ما يفسر الحرص على بث رسائل تعبئة سياسية، رغم أن القراءة الدبلوماسية لمسار الملف تسير في اتجاه مغاير لما يتم الترويج له داخليا.
وأكد المتحدث أن الجبهة، رغم خطابها المعلن، تظل منخرطة في مسار المحادثات الجارية في قدر كبير من السرية، مشيرا إلى أن تتبع المؤشرات يوحي بإمكانية وجود تواصل غير مباشر، قد يشمل أطرافا إقليمية، من شأنه الدفع بالمفاوضات نحو تسوية قائمة على صيغة للحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية.
ونبه الخبير في نزاع الصحراء المغربية إلى أن هذه التحركات تندرج ضمن تحولات أوسع يفرضها السياق الجيو-استراتيجي الدولي، حيث يعاد ترتيب أولويات الفاعلين بما يخدم الاستقرار الإقليمي، مبرزا أن مخرجات هذه الدينامية قد تعيد تشكيل مواقف الأطراف المعنية.
وخلص المحلل السياسي نجيب التناني إلى أن خطاب غالي لا يعدو كونه تأكيدا ظرفيا على استمرار الجبهة في مواقفها المعلنة، إلى حين اتضاح نتائج المفاوضات، التي قد تفرض مراجعات محتملة في الخطاب السياسي بما يتلاءم مع مآلات التسوية المرتقبة.
خطاب داخلي
من جانبه، يرى سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، أن ملف النزاع حول الصحراء المغربية ما يزال رهين التجاذب بين منطق الحل الواقعي الذي يجسده مقترح الحكم الذاتي المغربي، وخيار الجمود الذي تتبناه جبهة البوليساريو بدعم من النظام الجزائري، رغم محدودية أفقه داخل التحولات الدولية المتسارعة.
ولفت إلى أن “القرار الأممي رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، إلى جانب إطلاق مشاورات مدريد وواشنطن بإشراف أممي وأمريكي، يعكس توجها دوليا متناميا نحو الدفع بحل سياسي عملي، في مقابل تراجع أطروحات الانفصال التي لم تعد تجد الصدى السابق نفسه”.
وأوضح بوشاكوك، ضمن إفادة لهسبريس، أن ما سُمي احتفالات الذكرى الخمسين لتأسيس جبهة البوليساريو مرّ في أجواء باهتة، اتسمت بمحاولات استعراض محدود، وخطاب تقليدي يغلب عليه الطابع الاستعطافي، لافتا إلى التناقض القائم بين خطاب عسكري سابق وخيار تفاوضي بات مفروضا بفعل الضغوط الدولية.
وأكد المصدر ذاته أن الجبهة أصبحت أمام مسؤولية مباشرة أمام المنتظم الدولي، في ظل تنامي الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، خاصة مع توسع الشراكات الاقتصادية التي تعقدها قوى دولية كبرى مع المغرب، وتشمل مختلف أقاليمه، ما يعزز من واقعية هذا الخيار.
وفي هذا السياق، سجل سعيد بوشاكوك أن ما جرى لا يعدو كونه موجها للاستهلاك الداخلي، دون تأثير فعلي على مسار التسوية، الذي بات يتجه، وفق تعبيره، “نحو ترسيخ الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في ظل دينامية دبلوماسية نشطة ترتكز على التوازن وبناء المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي”.
The post تمسك زعيم "البوليساريو" بخيار الاستفتاء يقوض الجهود الأممية لحل النزاع appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




