تقرير رسمي يفضح رواية الحكومة.. المستفيدون من الدعم لا يرفضون العمل بل يبحثون عنه
سقطت واحدة من أكثر روايات الحكومة تداولاً خلال الأشهر الماضية أمام أرقام رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي. فبعدما ظل عدد من المسؤولين والوزراء يلمحون إلى أن الدعم الاجتماعي المباشر يدفع بعض الأسر إلى العزوف عن العمل خوفاً من فقدان الإعانة، جاء التقرير السنوي للوكالة ليقلب المعادلة رأساً على عقب ويكشف حقيقة مختلفة تماماً.
الأرقام الرسمية لا تترك مجالاً كبيراً للتأويل؛ إذ أكد التقرير أن 60 في المائة من المستفيدين من الدعم مستعدون للتخلي عنه فور حصولهم على فرصة عمل تضمن لهم دخلاً مستقراً، فيما صرح 40 في المائة آخرون بأنهم يحتاجون فقط إلى المواكبة والتأطير لإيجاد وظيفة أو نشاط مدر للدخل.
هذه المعطيات تضع الحكومة أمام تناقض واضح. فإذا كان أغلب المستفيدين مستعدين للتخلي عن الدعم مقابل العمل، فأين تكمن المشكلة الحقيقية؟ هل في الأسر الهشة أم في عجز السياسات العمومية عن خلق فرص الشغل الكافية؟
الأخطر أن التقرير يكشف طبيعة الإنفاق الحقيقي للأسر المستفيدة، حيث يذهب نحو 58.6 في المائة من الدعم إلى التغذية، و13.3 في المائة إلى السكن، و13.2 في المائة إلى الصحة، و7 في المائة إلى التعليم. وهي أرقام تؤكد أن الدعم لا يُصرف على الكماليات أو على مظاهر الترف، بل يذهب أساساً إلى تغطية الحاجيات الأساسية للعيش.
وبعبارة أوضح، فإن الحديث عن “التكاسل” أو “التردد في العمل” يصبح فاقداً للمنطق عندما نعلم أن غالبية المستفيدين ينفقون ما يحصلون عليه لتأمين الطعام والدواء والسكن لأسرهم، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة أنهكت القدرة الشرائية للمغاربة.
ويكشف التقرير أيضاً حجم الهشاشة الاجتماعية التي تواجهها فئات واسعة من المجتمع. فهناك أكثر من 584 ألف امرأة مسنة يعشن بمفردهن ويستفدن من الدعم، إضافة إلى مئات الآلاف من الأشخاص الذين يعيشون في عزلة اجتماعية دون معيل. كما تستفيد قرابة مليون أسرة من الأزواج المسنين الذين يواجهون صعوبات صحية ومادية متزايدة، فضلاً عن ملايين الأسر الشابة التي تكافح لتأمين الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
هذه الأرقام تنسف بشكل مباشر الخطاب الذي حاولت الحكومة في مناسبات عدة تحميل المستفيدين جزءاً من مسؤولية البطالة. فالتقرير نفسه يكشف أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الدعم، وإنما في استمرار الهشاشة وضعف فرص الإدماج الاقتصادي.
ومن المفارقات اللافتة أن الحكومة التي تتحدث عن تشجيع التشغيل تجد نفسها أمام معطى مقلق آخر: 31 في المائة من الأطفال المستفيدين من الدعم منقطعون عن الدراسة. وهو رقم يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية السياسات الاجتماعية والتعليمية وقدرتها على كسر دائرة الفقر والهشاشة التي تنتقل من جيل إلى آخر.
لقد أثبت تقرير الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي أن المغاربة لا يفضلون الإعانات على العمل كما حاول البعض الإيحاء بذلك. فالأغلبية الساحقة تبحث عن فرصة شغل تحفظ الكرامة وتوفر الاستقرار، لكنها تصطدم بواقع اقتصادي صعب وسوق شغل عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.
والخلاصة أن الدعم الاجتماعي لم يكن يوماً سبباً للبطالة، بل أصبح في كثير من الحالات صمام أمان يمنع آلاف الأسر من السقوط في الفقر المدقع. أما المعركة الحقيقية، فهي ليست ضد المستفيدين من الدعم، بل ضد البطالة وضعف النمو وعجز السياسات العمومية عن توفير فرص العيش الكريم للمواطنين.




