#سواليف
كشفت تقارير وتحليلات متداولة عن أسباب محتملة لعدم انضمام مصر حتى الآن إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة أعادت رسم جانب من خريطة الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وبحسب منصة إسرائيلية، فإن القاهرة قررت عدم الانضمام رسميًا إلى الاتفاق رغم مشاركتها في مراحل تمهيدية سابقة جمعت الدول الأربع، مرجعة ذلك إلى حسابات مصرية تتعلق بالحفاظ على هامش واسع من الحركة في سياستها الخارجية، وتجنب الانخراط في تحالف دفاعي ملزم قد يفرض عليها مواقف محددة في أزمات إقليمية مستقبلية.
غير أن هذه الرواية ليست الوحيدة المطروحة؛ إذ ظهرت تقارير أخرى تقول إن السعودية نفسها لم تكن راغبة في انضمام مصر إلى الاتفاق في مرحلته الأولى، ما يجعل أسباب غياب القاهرة عن الاتفاق موضع خلاف بين الروايات الإعلامية.
اتفاق دفاعي بثلاثة أطراف
وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب 2026، ويتضمن مبدأً يقوم على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، في صيغة تشبه من حيث المبدأ المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي.
ويهدف الاتفاق، وفق التصريحات التركية والباكستانية، إلى تعزيز الردع والتنسيق الدفاعي بين الدول الثلاث، مع إنشاء آليات للتنسيق بين وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان القوات المسلحة.
وأكدت أنقرة أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، ولا يمثل بديلًا عن التحالفات القائمة، وإنما إطارًا إقليميًا للتعاون الأمني يمكن أن ينضم إليه أعضاء آخرون مستقبلًا.
لماذا لم تنضم القاهرة؟
وفق الرواية التي أوردتها المنصة الإسرائيلية، فإن القرار المصري يرتبط بمجموعة من الحسابات السياسية والاستراتيجية.
وتأتي في مقدمتها رغبة القاهرة في الحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع أطراف إقليمية ودولية متعددة، من بينها الإمارات والهند، وعدم الدخول في محور قد يُفهم منه أنها اختارت معسكرًا إقليميًا محددًا.
كما أن عضوية مصر في اتفاق دفاع مشترك يقوم على التزامات متبادلة قد تحد، بحسب هذه القراءة، من قدرتها على المناورة في ملفات مثل الخليج، والبحر الأحمر، وليبيا، والسودان، فضلًا عن علاقتها بالولايات المتحدة وإسرائيل.
وتملك مصر بالفعل شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات والتفاهمات العسكرية، ولذلك قد تفضّل القاهرة التعاون الدفاعي المرن بدل الدخول في ترتيبات دفاع جماعي يمكن أن تلزمها بالتدخل في صراعات لا تتطابق بالضرورة مع حساباتها الوطنية.
الهند والإمارات في الحسابات المصرية
وتشير الرواية الإسرائيلية كذلك إلى أن القاهرة تضع علاقاتها مع الهند والإمارات ضمن حساباتها عند تقييم أي تحالف إقليمي جديد.
وتنظر مصر إلى الهند باعتبارها شريكًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متناميًا، بينما ترتبط القاهرة بعلاقات وثيقة مع أبوظبي في ملفات اقتصادية وسياسية وأمنية متعددة.
ومن هذا المنطلق، فإن الانضمام إلى إطار دفاعي تقوده السعودية وتركيا وباكستان قد يضع القاهرة أمام معادلات جديدة في حال تطورت التوترات بين أطراف الاتفاق ودول أخرى.
لكن هذه الأسباب تبقى قراءة وتحليلًا وليست موقفًا مصريًا رسميًا معلنًا.
الرواية الإسرائيلية: ضغوط من تل أبيب
وتذهب الرواية التي نقلتها المنصة الإسرائيلية أبعد من الحسابات المصرية الداخلية، إذ تزعم وجود ضغوط إسرائيلية خلف الكواليس للحيلولة دون توسع اتفاق مكة وانضمام مصر إليه.
وبحسب هذه الرواية، فإن إسرائيل تراقب الاتفاق باعتباره تطورًا قد يؤدي إلى تشكيل مظلة أمنية إقليمية جديدة تضم دولًا ذات قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة.
ويثير احتمال انضمام مصر، تحديدًا، اهتمامًا إسرائيليًا بسبب ثقل الجيش المصري وموقع البلاد الاستراتيجي وسيطرتها على قناة السويس وامتداد نفوذها في البحر الأحمر والبحر المتوسط.
غير أن الحديث عن ضغوط إسرائيلية مباشرة على القاهرة يظل ادعاءً ورد في تقرير إعلامي إسرائيلي ولم تؤكده مصادر رسمية مصرية أو إسرائيلية بصورة مستقلة.
تركيا تريد مصر داخل الاتفاق
في المقابل، لا تخفي أنقرة رغبتها في انضمام القاهرة إلى الاتفاق.
وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن مصر «شريك طبيعي» للدول المؤسسة، مشيرًا إلى أن الباب مفتوح أمامها للانضمام بعد معالجة بعض المسائل الفنية.
وقال فيدان إن هناك «بعض القضايا الفنية» التي ينبغي استكمالها، وإنه بعد حلها لا يوجد سبب يمنع مصر من أن تصبح جزءًا من الاتفاق.
وتكشف التصريحات التركية أن عدم مشاركة مصر في الاتفاق منذ لحظة تأسيسه لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمامها، بل إن أنقرة تتعامل مع عضويتها المحتملة باعتبارها مسألة يمكن بحثها في مرحلة لاحقة.
لماذا تتمسك تركيا بانضمام مصر؟
يمثل انضمام مصر إضافة كبيرة إلى أي ترتيبات أمنية إقليمية تقودها تركيا والسعودية وباكستان.
فمصر تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في المنطقة، إضافة إلى موقع جغرافي يربط البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، فضلًا عن خبرتها العسكرية الطويلة وعلاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
كما أن وجود القاهرة داخل الاتفاق يمكن أن يمنحه وزنًا عربيًا أكبر، بدل أن يبقى إطارًا يجمع السعودية وتركيا وباكستان فقط.
ولهذا تبدو تركيا حريصة على عدم تقديم الاتفاق باعتباره تكتلًا مغلقًا، بل تؤكد باستمرار أنه قابل للتوسع أمام دول المنطقة.
القاهرة لا تغلق الباب
وفي المقابل، فإن الموقف المصري لا يبدو رفضًا نهائيًا لفكرة التعاون مع الدول الثلاث.
فالقاهرة شاركت في مشاورات سابقة مرتبطة بفكرة التعاون الأمني بين الدول الأربع، وهو ما يجعل عدم توقيعها على الاتفاق النهائي محل تساؤل.
وتشير تقارير حديثة إلى أن مصر تدرس خياراتها، بينما تحاول تركيا إقناعها بالانضمام، خصوصًا بعد الزيارة الأخيرة لفيدان إلى القاهرة والمباحثات التي أجراها مع المسؤولين المصريين.
وبالتالي، قد يكون الموقف المصري أقرب إلى التريث ودراسة طبيعة الالتزامات بدل اتخاذ قرار نهائي بالرفض.
اتفاق مكة يعيد تشكيل التوازنات
ويأتي إنشاء الاتفاق في مرحلة تشهد فيها المنطقة تغيرات كبيرة في طبيعة التحالفات الأمنية.
فبعد سنوات من اعتماد دول المنطقة بصورة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية، برزت خلال السنوات الأخيرة محاولات متزايدة لبناء ترتيبات إقليمية تعتمد على قدرات الدول نفسها.
ويرى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن الاتفاق يعكس تحولًا جيوسياسيًا مهمًا من خلال جمع السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك، بعد أن كانت علاقاتها الدفاعية قائمة بصورة أكبر على ترتيبات ثنائية منفصلة.
وإذا انضمت مصر لاحقًا، فإن وزن الاتفاق سيتغير بصورة كبيرة، خصوصًا بالنظر إلى حجم القوات المصرية وموقعها الاستراتيجي.
هل يصبح «اتفاق مكة» تحالفًا إقليميًا أوسع؟
تركيا ألمحت بوضوح إلى أن الاتفاق قابل للتوسع، فيما تحدث فيدان عن اهتمام دول أخرى بالانضمام دون الكشف عن أسمائها.
وتطرح تحليلات إعلامية أسماء دول أخرى باعتبارها مرشحة محتملة، لكن لا توجد حتى الآن قائمة رسمية معلنة بالأعضاء الجدد.
وفي حال توسع الاتفاق ليضم مصر ودولًا عربية أخرى، فقد يتحول تدريجيًا إلى واحدة من أهم المنظومات الأمنية الإقليمية خارج الأطر التقليدية التي تقودها الولايات المتحدة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الموقف المصري بالنسبة لمختلف الأطراف.
إسرائيل تراقب المشهد
بالنسبة لإسرائيل، فإن توسع اتفاق مكة ليضم مصر ودولًا عربية وإسلامية أخرى قد يفرض واقعًا أمنيًا جديدًا.
فوجود السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك، مع احتمال انضمام مصر، يعني تجمع قدرات عسكرية ضخمة في منظومة واحدة.
لكن من المبكر القول إن الاتفاق موجه ضد إسرائيل؛ إذ أكدت تركيا أن الاتفاق لا يستهدف دولة محددة، كما أن نصوصه المعلنة تركز على الدفاع المشترك والردع والتعاون بين الأعضاء.
ولهذا فإن القلق الإسرائيلي، إن كان موجودًا، يرتبط بدرجة أكبر باحتمال تحول الاتفاق مستقبلًا إلى مظلة أمنية واسعة قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية.
معركة النفوذ خلف الاتفاق
ويبدو أن القضية تتجاوز مجرد انضمام دولة جديدة إلى تحالف عسكري.
فتركيا تسعى إلى تعزيز حضورها في النظام الأمني للمنطقة، والسعودية تعمل على بناء شراكات دفاعية أوسع، بينما تمتلك باكستان قدرات عسكرية ونووية تجعل مشاركتها ذات أهمية استراتيجية.
أما مصر، فتجد نفسها أمام خيار حساس: الانضمام إلى إطار دفاعي جديد قد يمنحها نفوذًا أكبر، أو الحفاظ على سياسة التوازن التي تسمح لها بالتحرك بين القوى الإقليمية والدولية دون التزامات جماعية صارمة.
وفي الوقت ذاته، فإن الروايات المتضاربة حول أسباب عدم انضمام القاهرة — بين من يتحدث عن حسابات مصرية مستقلة، ومن يشير إلى تحفظ سعودي، ومن يزعم وجود ضغط إسرائيلي — تعكس حجم الأهمية التي اكتسبها الاتفاق خلال فترة قصيرة.
وفي ظل تأكيد أنقرة أن الباب لا يزال مفتوحًا، فإن غياب مصر قد لا يكون نهاية القصة، بل ربما بداية مفاوضات أطول حول شكل التحالف وحدود التزامات أعضائه.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تختار القاهرة في النهاية الانضمام إلى المظلة الدفاعية الجديدة، أم تفضل مواصلة سياسة التوازن والحفاظ على استقلالية قرارها العسكري والسياسي؟
حتى الآن، لا يوجد إعلان مصري رسمي يؤكد رفض الانضمام نهائيًا، كما لا يوجد ما يثبت بصورة مستقلة أن ضغوطًا إسرائيلية كانت السبب الحاسم وراء عدم التوقيع. المؤكد أن تركيا ترى مصر عضوًا طبيعيًا محتملًا، وأن الاتفاق نفسه صُمم بحيث يسمح بالتوسع مستقبلًا.
هذا المحتوى تقرير إسرائيلي يزعم: ضغوط خلف الكواليس وراء عدم انضمام مصر إلى «اتفاق مكة» ظهر أولاً في سواليف.



