“تقرير السقيلبية” يفتح ملف “نيران التضليل” في سوريا.. من يقود المهمة؟
وسط تصاعد المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأزمات المحلية، أعلنت وزارة الإعلام مع نهاية آذار الماضي إصدار تقرير يرصد حملات التضليل الرقمي المرتبطة بأحداث السقيلبية، في خطوة تعكس توجهًا رسميًا نحو مراقبة الفضاء الرقمي وتحليل الخطاب المتداول فيه.
التقرير، الذي ركز على تتبع آلاف المنشورات والتغريدات المرتبطة بالحادثة، حاول تقديم رواية مبنية على تحليل البيانات الرقمية.
وأشار إلى وجود حملة منظمة أسهمت في تضخيم الحدث وتحويله من شجار محلي محدود إلى قضية ذات بعد طائفي، عبر تداول روايات غير دقيقة وانتشار هاشتاغات تحريضية خلال وقت قصير.
تأتي هذه الخطوة في سياق تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على تشكيل الرأي العام في سوريا، خاصة في القضايا الحساسة اجتماعيًا ودينيًا، حيث يمكن لمنشور واحد أو مقطع فيديو مجتزأ أن يتحول خلال ساعات إلى سردية عامة يصعب تصحيحها لاحقًا.
ورصد حملات التضليل الرقمي لا يقتصر على كشف الأخبار الكاذبة، بل يمتد إلى تحليل آليات انتشارها، ومصادرها، وأنماط الخطاب المستخدمة فيها، وهو ما يمكن أن يسهم في الحد من التوترات المجتمعية ومنع تصاعد الخطاب التحريضي، خصوصًا في المناطق التي تحمل حساسية دينية أو اجتماعية.
كما أن نشر تقارير رسمية حول التضليل الرقمي يفتح الباب أمام بناء سياسة إعلامية قائمة على الشفافية والبيانات، بدل الاكتفاء بالبيانات التقليدية أو الروايات العامة، وهو ما يعد تطورًا في طريقة تعاطي المؤسسات الرسمية مع الفضاء الرقمي.
خطوة في الاتجاه الصحيح.. لكن
ورغم أهمية هذه الخطوة في توثيق الحملات الرقمية، يطرح التقرير جملة من الملاحظات المهنية التي قد تؤثر على مدى اكتماله وتأثيره.
هذه الملاحظات تتعلق بتركيز التقرير على خطاب تحريضي صادر من جهة محددة، في حين شهدت منصات التواصل الاجتماعي تحريضًا متبادلًا من أكثر من طرف خلال أحداث السقيلبية، ما يطرح تساؤلات حول منهجية الرصد والمعايير المعتمدة في اختيار المحتوى.
إلى جانب ذلك، يرى مختصون في الإعلام أن رصد خطاب جهة واحدة دون تقديم صورة شاملة لجميع أنماط التحريض قد يخلق انطباعًا بوجود معالجة أحادية للحدث، في وقت تحتاج فيه مثل هذه التقارير إلى توازن أكبر يعكس كامل المشهد الرقمي.
في المقابل، تمثل هذه المبادرة فرصة لوزارة الإعلام لتطوير أدواتها في رصد المعلومات المضللة، خصوصًا إذا تبعتها تقارير دورية تشمل مختلف القضايا والجهات، وتعرض منهجيات واضحة في التحليل، وتفتح المجال للتعاون مع خبراء مستقلين في الإعلام الرقمي.
فالتعامل مع التضليل الرقمي بات ضرورة في بيئة إعلامية تتشكل فيها الوقائع بسرعة عبر الهواتف والمنصات، حيث يمكن لأي حادثة محلية أن تتحول خلال ساعات إلى قضية وطنية أو إقليمية بفعل حملات منظمة أو تفاعل عشوائي واسع.
خطوة إيجابية لكن غير مكتملة
المؤسس والمدير التنفيذي في منصة “تأكد”، أحمد بريمو، اعتبر أن إصدار تقرير حول التضليل الرقمي يمكن النظر إليه من حيث الفكرة كخطوة إيجابية ومطلوبة، لأنه يعكس اعترافًا رسميًا بخطورة المعلومات المضللة وتأثيرها على الاستقرار المجتمعي.
كما يشير إلى بداية إدماج أدوات الرصد الرقمي ضمن العمل الإعلامي الحكومي.
وأضاف بريمو، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا يمكن اعتبارها تأسيسًا لسياسة إعلامية متكاملة حتى الآن.
ويبدو التقرير أقرب إلى استجابة ظرفية لحدث محدد، ولا يعكس وجود إطار مؤسسي مستدام أو منهجية واضحة قابلة للتكرار.
تأسيس سياسة إعلامية حقيقية في هذا المجال يتطلب استمرارية في إصدار التقارير، ومعايير معلنة، وآليات عمل شفافة تُطبق بشكل منهجي على مختلف الأحداث، إضافة إلى توضيح الخطوات التي ستتبعها الدولة بناء على نتائج التقرير.
وأشار إلى أن نشر تقارير توثق الحملات الرقمية خلال الأزمات المحلية، خاصة تلك الحساسة اجتماعيًا أو طائفيًا، يحمل أهمية كبيرة، لأنه يساعد في تفكيك الروايات المضللة قبل ترسخها، ويوفر مرجعية موثوقة للإعلام والجمهور، كما يكشف أنماط التضليل مثل التنسيق أو إعادة النشر المكثف.
لكن تأثير هذه التقارير، بحسب بريمو، يعتمد بشكل أساسي على جودتها ومنهجيتها، إذ يمكن أن تسهم في تهدئة الرأي العام إذا كانت متوازنة وشفافة.
بينما قد تزيد الجدل إذا بدت انتقائية أو منحازة، وتتحول إلى جزء من الصراع السردي بدل أن تكون أداة لاحتوائه.
وأضاف أن ما رصد بعد نشر التقرير يشير إلى تصاعد الجدل حوله، خاصة بسبب تركيزه على جهة واحدة دون تقديم صورة شاملة لكامل الخطاب التحريضي الذي شهدته منصات التواصل خلال أحداث السقيلبية.
تغطية جزئية
من وجهة نظر بريمو، يظهر التقرير تغطية جزئية لبعض المعايير المهنية، مثل محاولة تتبع المحتوى المتداول وتحليل أنماط انتشاره، لكنه يغفل نقاطًا جوهرية.
ولفت إلى أن أبرز هذه الملاحظات هو غياب التوازن في الرصد، حيث يتركز التحليل على طرف واحد دون تقديم صورة شاملة لمجمل الخطاب المتداول، رغم وجود تحريض متبادل من أكثر من جهة، وهو ما يضعف مصداقية التقرير ويجعل نتائجه عرضة للتشكيك.
كما انتقد بريمو عدم إشراك خبراء مستقلين أو جهات محايدة في عملية المراجعة أو التحقق، معتبرًا أن وجود طرف ثالث مستقل يعد عنصرًا مهمًا لتعزيز الثقة العامة، خاصة في الأحداث ذات الحساسية الاجتماعية أو الطائفية.
التقرير أغفل أيضًا السياق الميداني للأحداث، إذ لم يتناول أعمال العنف والتخريب والأضرار التي لحقت بممتلكات المدنيين، رغم أن هذه الوقائع كانت أساسًا في انتشار الروايات المضللة، وجرى توظيفها بصريًا وعاطفيًا في الحملات الرقمية.
تجاهل هذا البعد يفصل بين المحتوى المضلل والسياق الذي أسهم في انتشاره، في حين أن التقارير الأكثر مهنية تربط بين الخطاب الرقمي والوقائع الميدانية.
كما يشير إلى غياب توصيات واضحة للجهات المعنية حول كيفية التعامل مع حملات التضليل مستقبلًا، أو آليات الاستجابة الأمنية والإعلامية في حال تكرار أحداث مشابهة، إضافة إلى عدم التطرق إلى مسألة تأخر الاستجابة الأمنية ومنع الاحتكاك بين الأطراف، رغم وقوع اعتداءات جماعية على ممتلكات السكان.
وخلص بريمو إلى أن التقرير يمثل خطوة أولى مهمة في الاعتراف بخطورة التضليل الرقمي.
لكنه يحتاج إلى تطوير منهجي ومؤسسي ليصبح أداة فعالة في بناء الثقة العامة وإدارة الأزمات الإعلامية، عبر تقديم صورة شاملة ومتوازنة، وإشراك خبراء مستقلين، وربط الخطاب الرقمي بالسياق الميداني، وتقديم توصيات عملية للمستقبل.
إشكالية الحياد والموضوعية
الباحث السوري والمسؤول عن ملف سوريا في مركز الدفاع عن الحريات الثقافية والإعلامية “سكايز” في مؤسسة سمير قصير، جابر بكر، يرى أن رصد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة خطوة مهمة بحد ذاتها، لكن إسناد هذا الدور إلى مؤسسة حكومية يطرح إشكالية تتعلق بالحياد والموضوعية.
وقال بكر، في حديث إلى عنب بلدي، إن رصد خطاب الكراهية ونشر تقارير دورية حوله يعد أمرًا ضروريًا، لكنه لا يفترض أن يكون من مهام وزارة الإعلام بشكل مباشر.
وبحسب رأيه، فإن الأمر مناط بنقابات أو رابطات صحفية مستقلة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، بما يضمن الحيادية والمهنية.
أهمية هذا النوع من العمل تكمن في إمكانية إنشاء مؤسسة مختصة يكون الرصد الرقمي جزءًا من عملها اليومي، لتتحول إلى منصة إنذار مبكر تتابع الخطاب الإعلامي والرقمي.
ومن شأن هذا الأمر رصد المؤشرات التي قد تقود إلى توترات أو أزمات داخل المجتمع.
دور وزارة الإعلام، بحسب بكر، يمكن أن يكون داعمًا لهذا المسار، من خلال تسهيل عمل المؤسسات المستقلة وتوفير البيئة القانونية والتنظيمية لها.
وأكد أن وجود قانون يتيح ترخيص مؤسسات تعنى بالمستوى المهني للإعلام يعد خطوة أساسية في هذا الاتجاه.
التجربة النقابية في سوريا لم تتشكل بشكل صحي تاريخيًا، إذ كان اتحاد الصحفيين أقرب إلى ذراع تنفيذي وترويجي للسلطة.
بينما جاءت رابطة الصحفيين لاحقًا كاستجابة لظهور إعلام بديل خلال سنوات الثورة، في محاولة لبناء نموذج أكثر استقلالية عن الإعلام الحكومي.
وتابع بكر أن المرحلة الحالية تشهد تحولات في شكل الإعلام الوطني، مع بروز مساحات أكثر تحررًا.
إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لوجود مؤسسات نقابية أو مهنية تتولى متابعة أداء المؤسسات الإعلامية وتطويرها، ليس من باب الرقابة، بل من باب تقييم المهنية ورصد خطاب الكراهية ومستوى الموضوعية والانحياز.
ويعطي بكر مثالًا على ذلك بما يتعلق بطريقة عرض المعلومات، إذ قد يظهر خطاب الكراهية أحيانًا في تفاصيل التغطية الإعلامية أو في صياغة الأخبار، مثل التركيز على ذكر طائفة معينة عند الحديث عن ضحايا حادثة ما، مقابل إغفال ذكر الطوائف الأخرى، وهو ما قد يمهد بشكل غير مباشر لخطاب تحريضي أو لتوظيف المعلومات في سياقات صراعية.
ما يجري اليوم في الإعلام من محاولات لرصد التضليل وخطاب الكراهية يعد أمرًا مهمًا وضروريًا، لكنه يتطلب توزيعًا أوضح للأدوار.
حيث لا تتحمل وزارة الإعلام مسؤوليات ليست من صلب مهامها، خاصة أن الحياد الكامل لمؤسسة حكومية يبقى محل نقاش.
الخيار الأفضل، وفقًا لبكر، يتمثل في دعم مؤسسات مستقلة تعمل في هذا المجال، عبر توفير التدريب والبرامج التقنية وأدوات تحليل البيانات.
كما يمكن تأمين فرص للتأهيل الخارجي، إضافة إلى شراء برمجيات متخصصة في رصد الكلمات وتحليل الخطاب وربط مصادره، بما يسهم في بناء منظومة مهنية قادرة على التعامل مع التضليل الرقمي بشكل مستدام.
تشير دراسات وتقارير بحثية إلى أن انتشار المعلومات المضللة في سوريا ازداد بشكل ملحوظ خلال فترات الأزمات والتحولات السياسية.
حيث تلعب منصات التواصل الاجتماعي دورًا رئيسيًا في تشكيل الروايات المتداولة حول الأحداث الأمنية والاجتماعية.
وتوضح تقارير بحثية أن غياب مصادر معلومات موثوقة واتساع الاعتماد على فيسبوك وواتساب كمصادر للأخبار ساهم في انتشار الشائعات وخطاب الكراهية وتعميق الانقسامات المجتمعية، ما أدى في بعض الحالات إلى تأجيج المخاوف والتوترات بين المكونات المحلية.
وسائل التواصل كمصدر للأخبار
ذكر تقرير منشور في مركز المجلس الأطلسي “Atlantic Council”، في أيار 2025، أن السوريين يواجهون صعوبة متزايدة في التمييز بين الأخبار الصحيحة والمضللة، خاصة بعد التحولات السياسية الأخيرة.
وأدى غياب قنوات إعلامية موثوقة إلى اعتماد واسع على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار.
وأسهم الأمر في انتشار المعلومات المضللة وتعزيز الخوف والانقسام المجتمعي، وخلق روايات متناقضة حول الأحداث الأمنية.
احتجاجات في السقيلبية بعد التوتر الأمني.. مطالب بالتحقيق والمحاسبة





