تحذيرات صندوق النقد: مسار المالية العامة في ليبيا غير مستدام ويهدد الاستقرار الاقتصادي
سياق اقتصادي مقلق رغم الإمكانات الكبيرة
أكدت بعثة صندوق النقد الدولي، في ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، أن ليبيا تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة مدعومة بمواردها النفطية وموقعها الاستراتيجي، غير أن الأداء الاقتصادي الحالي يعكس اختلالات خطيرة. فقد أدى التوسع الكبير في الإنفاق العام إلى تسجيل عجز مالي يقارب 30% من الناتج المحلي في 2025، مع تضاعف الدين العام ليبلغ نحو 146% من الناتج، ما زاد من الضغوط على الاقتصاد.
ضغوط متزايدة على سعر الصرف والتضخم
رغم تخفيض سعر الصرف مرتين منذ أبريل 2025، لا تزال الفجوة قائمة بين السعر الرسمي والموازي نتيجة الطلب المرتفع على النقد الأجنبي. وأسهمت هذه التطورات في ارتفاع التضخم إلى مستويات ثنائية الرقم، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع مستويات المعيشة، إضافة إلى تقييد الائتمان الموجه للقطاع الخاص.
آفاق غير مستدامة ومخاطر متصاعدة
توقعت البعثة استمرار النمو على المدى القصير مدفوعًا بالإنفاق العام، لكنها حذرت من أن هذا المسار غير قابل للاستمرار. وفي حال عدم تنفيذ إصلاحات مالية حقيقية، ستتراجع الاحتياطيات الدولية إلى مستويات حرجة، وسيظل التضخم مرتفعًا. كما تظل المخاطر السلبية مرتفعة، خاصة مع احتمالات تراجع أسعار النفط أو اضطراب الإنتاج.
فرصة النفط: بين التعزيز أو تعميق الأزمة
اعتبر التقرير أن ارتفاع أسعار النفط يمثل فرصة مهمة، لكنه قد يتحول إلى خطر إذا استُخدمت الإيرادات في زيادة الإنفاق بدل ادخارها. وشدد على ضرورة استغلال هذه العائدات لبناء هوامش أمان وتسريع الإصلاحات، بدل تعميق الاختلالات الحالية.
الإصلاح المالي: مفتاح الاستقرار
أكدت البعثة أن ضبط أوضاع المالية العامة هو الركيزة الأساسية لاستعادة الاستقرار، عبر:
- تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال إصلاح النظام الضريبي والجمركي.
- ترشيد الإنفاق، خاصة دعم الطاقة والأجور الذي يعد من الأعلى عالميًا.
- تحسين كفاءة الاستثمارات العامة وفق خطط شفافة ومتوسطة الأجل.
- إعداد ميزانية واقعية قائمة على افتراضات حذرة لأسعار النفط.
كما شددت على أهمية تعزيز الشفافية، خصوصًا فيما يتعلق بالإنفاق خارج الميزانية.
السياسة النقدية: دور محدود دون إصلاح مالي
رغم إجراءات المصرف المركزي لاحتواء الضغوط، أكدت البعثة أن السياسة النقدية وحدها غير كافية دون ضبط مالي حقيقي. وأوصت بتعزيز إطار السياسة النقدية واستقلالية المصرف المركزي لتحسين إدارة الاختلالات الاقتصادية.
تحديات القطاع المالي والشمول المالي
رصد التقرير تقدمًا في تعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي، لكنه أشار إلى استمرار القيود على تمويل القطاع الخاص، رغم توفر السيولة، ما يحد من نمو الأنشطة الاقتصادية.
إصلاحات هيكلية لتعزيز الاقتصاد
دعت البعثة إلى تنفيذ إصلاحات عميقة تشمل:
- مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة، خاصة في قطاع النفط.
- تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات.
- إصلاح سوق العمل وتنمية المهارات.
- إعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة.
أهمية بناء القدرات وتحسين البيانات
أكد التقرير أن نجاح الإصلاحات يتطلب تطوير القدرات المؤسسية وتحسين جودة البيانات الاقتصادية، مشددًا على استعداد صندوق النقد الدولي لدعم ليبيا في هذه الجهود.
حذرت البعثة من أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى تفاقم الاختلالات الاقتصادية، مؤكدة أن الفرصة لا تزال قائمة أمام ليبيا لتحقيق الاستقرار إذا ما تم تبني إصلاحات مالية وهيكلية جادة ومستدامة.
ظهرت المقالة تحذيرات صندوق النقد: مسار المالية العامة في ليبيا غير مستدام ويهدد الاستقرار الاقتصادي أولاً على أبعاد.





