ما وقع في سبتة يفرض علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من الواقعة نفسها. هناك شباب مغاربة يعيشون واقعا مليئا بالتحديات، ويحتاجون إلى أفق وإلى مؤسسات سياسية ومدنية تستمع إليهم وتساعدهم على تحويل طموحاتهم وغضبهم إلى مشاركة وفعل داخل المجتمع.
ومن حقنا أن تصلنا المعلومة الكاملة، ومن حقنا أن نرى المؤسسات والأحزاب تقوم بأدوارها ومسؤولياتها، لأن احترام المواطن يبدأ باحترام عقله، واحترام حقه في المعلومة، واحترام حقه في أن يجد مؤسسات سياسية حاضرة معه في الحياة اليومية، وليس فقط في موسم الانتخابات.
أحداث سبتة تسائلنا جميعا، وتضع أمامنا واقعا لا يمكن التعامل معه كواقعة عابرة، لأنها تكشف جوانب تتصل بأوضاع الشباب، وبأدوار المؤسسات السياسية والمدنية، وبمسؤولية الحكومة في تقديم المعلومة للرأي العام.أتحدث من خلال تجربة عشتها في مراحل سابقة، حين كانت الأحزاب السياسية تؤدي أدوارا واضحة في تأطير المواطنين والاستماع إلى انشغالاتهم ومناقشة قضاياهم، وكانت القضايا الاجتماعية والسياسية تجد طريقها إلى النقاش داخل الهياكل الحزبية.
أتذكر أن أحداثا وأزمات أقل مما وقع كانت تستدعي من مناضلي الأحزاب والنقابات قطع العطلة والعودة إلى مقرات أحزابهم ونقاباتهم. لم يكن الهاتف النقال موجودا، وكان امتلاك هاتف أرضي في حد ذاته امتيازا لا يتوفر إلا لدى فئات محدودة. لذلك كانت المعلومة تصل عبر التنظيمات، وكان التواصل يتم داخل المقرات والهياكل.
كنا نجد القيادات الإقليمية والمجالس الإقليمية مجتمعة لمتابعة ما يجري، والاستماع إلى المعطيات وتبادل الآراء. وكانت القضايا الكبرى تصل إلى المجالس الوطنية باعتبارها فضاءات للمداولة والنقاش واتخاذ المواقف.
كنا ننصت إلى القيادة، وكانت محل ثقة المناضلين، لأننا كنا نعرف من يمثلنا، ومن يملك المعطيات، ومن يتحمل المسؤولية. وكانت الثقة مبنية على الحضور والتجربة وعلى مؤسسات حزبية حقيقية تتيح النقاش والاستماع واتخاذ المواقف.
لم يكن دور الأحزاب يختزل في الانتخابات. كانت تؤطر المواطنين، وتستمع إلى المجتمع، وتطرح القضايا الاجتماعية والسياسية، وتدافع عن المطالب، وتساهم في تكوين الوعي السياسي.
أما اليوم، فقد أصبح حضور الأحزاب في حياة المواطنين أكثر ارتباطا بالمواسم الانتخابية. نراها حاضرة في الحملات والزيارات والاستقبالات، وما يرافقها أحيانا من أحوال وأحيدوس و”الركادة” و”العيطة” و”الثمر ولحليب”؛ في حين أن الحضور السياسي الحقيقي لا يقاس فقط بما يحدث أثناء الانتخابات، وإنما بما تقوم به الأحزاب في المجتمع طوال الوقت.
الشباب لا يحتاج إلى الأحزاب في موسم الانتخابات فقط. يحتاج إليها في حياته اليومية، وفي قضاياه وانشغالاته، وفي البحث عن العمل والكرامة والأفق، وفي التعبير عن الغضب والإحباط وتحويلهما إلى مطالب وفعل جماعي.
وما نشهده اليوم من تزايد رغبة الشباب في الهجرة، ومن محاولات الوصول إلى الضفة الأخرى، ومن مشاركة أطفال وشباب وحتى أشخاص أكبر سنا في هذه المغامرات، لا يمكن فصله عن واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي يحتاج إلى قراءة جدية.
الغضب من التهميش والفوارق الاجتماعية والإقصاء وقلة الحيلة ليس جديدا. الجديد هو تراجع الفضاءات التي كانت تستوعب هذا الغضب وتؤطره وتحوله إلى وعي ومطالب ومشاركة في الحياة العامة.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية في القيام بالأدوار التي يخولها لها الدستور، ليس فقط باعتبارها أدوات للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، وإنما باعتبارها مؤسسات للتأطير السياسي والمساهمة في تكوين المواطنين والتعبير عن إرادتهم والمشاركة في الحياة العامة.
كما أن مسؤولية الحكومة قائمة في التعامل مع أحداث سبتة بكل الوضوح الذي يقتضيه حق المواطنين في المعلومة. فمن حق الرأي العام أن يعرف المعطيات المتوفرة حول ما جرى، وكيف بدأت الأحداث، وكيف تطورت، وكيف تم تدبيرها، وما هي الحقيقة الكاملة للواقعة.
تقديم المعلومة للرأي العام لا يعني توجيه الاتهام إلى جهة معينة، وإنما يعني احترام المواطن وحقه في معرفة ما يجري، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشباب مغاربة وبواقعة أثارت اهتماما واسعا داخل المجتمع.
لا ينبغي أن تترك الساحة للتكهنات وتضارب الأخبار والتفسيرات، لأن غياب المعلومة الواضحة يوسع دائرة الإشاعة ويزيد من فقدان الثقة.
ومن مسؤولية الأحزاب أيضا أن تستعيد حضورها في المجتمع، وأن تعود إلى التأطير والاستماع والمواكبة والمساءلة، وأن تكون قريبة من المواطنين والشباب خارج فترات الانتخابات، لا أن يقتصر التواصل معهم على الحملات واللوائح والدوائر.
إن ما وقع في سبتة يفرض علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من الواقعة نفسها. هناك شباب مغاربة يعيشون واقعا مليئا بالتحديات، ويحتاجون إلى أفق وإلى مؤسسات سياسية ومدنية تستمع إليهم وتساعدهم على تحويل طموحاتهم وغضبهم إلى مشاركة وفعل داخل المجتمع.
ومن حقنا أن تصلنا المعلومة الكاملة، ومن حقنا أن نرى المؤسسات والأحزاب تقوم بأدوارها ومسؤولياتها، لأن احترام المواطن يبدأ باحترام عقله، واحترام حقه في المعلومة، واحترام حقه في أن يجد مؤسسات سياسية حاضرة معه في الحياة اليومية، وليس فقط في موسم الانتخابات.





