#سواليف
خلص تقرير صادر عن منظمة «يش دين» الإسرائيلية إلى أن نحو ثلثي اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية خلال الفترة التي رصدها التقرير وقعت داخل المنطقتين (أ) و(ب)، في مؤشر على اتساع نطاق العنف الاستيطاني جغرافيًا، وانتقاله من المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة إلى مناطق يُفترض أن تكون خاضعة بدرجات مختلفة للإدارة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو.
وتشير المعطيات إلى تغير واضح في خريطة اعتداءات المستوطنين، إذ لم يعد العنف الاستيطاني يتركز في المنطقة (ج) التي تسيطر عليها إسرائيل بالكامل، بل امتد بصورة متزايدة إلى المنطقتين (ب) و(أ)، حيث تتركز نسبة كبيرة من المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية.
أوسلو يقسم الضفة إلى 3 مناطق
وبموجب اتفاق أوسلو، قُسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق رئيسية؛ إذ تشكل المنطقة (أ) نحو 18% من مساحة الضفة، وتخضع نظريًا للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية.
أما المنطقة (ب) فتشكل نحو 22% من مساحة الضفة، وتتولى السلطة الفلسطينية فيها المسؤوليات المدنية، بينما تبقى الصلاحيات الأمنية بيد إسرائيل.
في المقابل، تمثل المنطقة (ج) نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتشمل غالبية المناطق المفتوحة والموارد والأراضي التي شهدت توسعًا استيطانيًا واسعًا على مدى العقود الماضية.
لكن التقرير يشير إلى أن هذا التقسيم الذي أقره اتفاق أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود يشهد تغيرًا متسارعًا على الأرض، مع انتقال النشاط الاستيطاني والاعتداءات إلى مناطق يفترض أن تكون خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
ارتفاع الاعتداءات في المنطقة (ب)
وبحسب البيانات التي أوردها التقرير، ارتفعت نسبة اعتداءات المستوطنين الواقعة في المنطقة (ب) من نحو 25% عام 2022 إلى 55% خلال العام الجاري.
وفي المقابل، تراجعت نسبة الاعتداءات في المنطقة (ج) من نحو 67% إلى 37% خلال الفترة نفسها.
وبجمع الاعتداءات المسجلة في المنطقتين (أ) و(ب)، فإن نحو 63% من إجمالي الاعتداءات خلال العام الجاري وقعت في هاتين المنطقتين، أي ما يقارب ثلثي الاعتداءات التي رصدها التقرير.
ولا يعني انخفاض نسبة الاعتداءات في المنطقة (ج) أنها أصبحت أكثر أمنًا، وإنما يعكس، وفق التقرير، تحولًا في جغرافية العنف الاستيطاني واتساع نطاقه باتجاه المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون بكثافة أكبر.
البؤر الاستيطانية تتقدم نحو مناطق أوسلو
ويتزامن هذا التحول مع توسع البؤر الاستيطانية في عمق الضفة الغربية، بما في ذلك مناطق تقع داخل المنطقة (ب).
وأظهرت خريطة نشرتها مؤسسة إسرائيلية تُعرف باسم «التلال الاستيطانية» وجود 16 بؤرة استيطانية بين رام الله ونابلس، ووصفتها المؤسسة بأنها جزء من «ثورة استيطانية كبرى» في مناطق اتفاق أوسلو، مع إعلانها مواصلة دعم إقامة البؤر داخل المنطقة (ب).
وتبدأ بعض هذه البؤر بصورة محدودة، من خلال خيمة أو منزل متنقل وقطعان من الأغنام، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى نقاط استيطانية تستخدم للسيطرة على مساحات أوسع من الأراضي وفرض قيود على وصول الفلسطينيين إليها.
وكانت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية قد وثقت خلال عام 2024 إقامة 52 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، بينها سبع بؤر على الأقل داخل المنطقة (ب)، منها خمس بؤر جنوب وشرق بيت لحم، وبؤرتان قرب رام الله.
سموتريتش يدعو إلى محو حدود أوسلو
ولا يقتصر التوسع الاستيطاني، بحسب التقرير، على التحركات الميدانية، بل يجد انعكاسًا داخل الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا في مواقف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا إلى محو الحدود الفاصلة بين المناطق (أ) و(ب) و(ج).
ويعلن سموتريتش صراحة هدفه المتمثل في إلغاء اتفاقات أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وفي فبراير/شباط الماضي، وسعت الحكومة الإسرائيلية صلاحيات سلطاتها داخل المنطقتين (أ) و(ب) تحت عناوين تتعلق بالمياه والبيئة والمواقع الأثرية، في خطوة اعتبرها التقرير جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل حدود السيطرة على الأرض.
ويرى التقرير أن هذه الإجراءات، إلى جانب النشاط الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، تؤدي عمليًا إلى إضعاف الفواصل التي أرساها اتفاق أوسلو بين المناطق الثلاث.
أكثر من 1330 اعتداء منذ بداية العام
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصاعدًا ملحوظًا في اعتداءات المستوطنين.
وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، فقد تم توثيق أكثر من 1330 اعتداءً نفذها مستوطنون حتى 20 يوليو/تموز الماضي، وأسفرت عن إصابات أو أضرار في الممتلكات، بمعدل يزيد على 6 اعتداءات يوميًا.
وأدت هذه الاعتداءات، وفق البيانات، إلى استشهاد 18 فلسطينيًا وإصابة نحو 880 آخرين، إلى جانب أضرار واسعة طالت الممتلكات والأراضي الزراعية ومصادر رزق الفلسطينيين.
وتعكس هذه الأرقام، وفق قراءة التقرير، أن القضية لا تتعلق فقط بتزايد عدد الاعتداءات، وإنما أيضًا بتغير وظيفتها وجغرافيتها، مع تقدم البؤر الاستيطانية من المنطقة (ج) باتجاه المنطقة (ب)، واقترابها من المنطقة (أ).
نحو تغيير جغرافية الضفة
ويشير التقرير إلى أن الحدود التي رسمها اتفاق أوسلو بين المناطق الثلاث لا يجري تجاوزها دفعة واحدة، وإنما يجري تفريغها تدريجيًا من مضمونها على الأرض، من خلال التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين وقرارات الحكومة الإسرائيلية.
ويرى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تحويل المناطق الفلسطينية إلى «جزر سكانية» منفصلة تحيط بها البؤر الاستيطانية ومناطق النفوذ الإسرائيلي، بما يحد من التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية.
ويحذر التقرير من أن هذا الواقع يهدد الأساس الجغرافي الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة الفلسطينية، إذ إن استمرار التوسع الاستيطاني والضغط على التجمعات الفلسطينية قد يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتقليص المساحات المتاحة أمام التوسع العمراني والتنمية الفلسطينية.
وبذلك، فإن المشهد الذي ترسمه المعطيات لا يقتصر على تصاعد الاعتداءات الفردية للمستوطنين، وإنما يشير إلى تحول أوسع في طبيعة السيطرة على الأرض، مع انتقال الاستيطان والعنف إلى مناطق كان يفترض أن تكون ضمن نطاق الإدارة الفلسطينية.
وبعد أكثر من 30 عامًا على توقيع اتفاق أوسلو، تبرز هذه التطورات باعتبارها مؤشرًا على اتساع الفجوة بين الترتيبات التي نص عليها الاتفاق والواقع الميداني، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل الحكومة الإسرائيلية لإعادة رسم خريطة الضفة الغربية وفرض سيطرة إسرائيلية أوسع عليها.
هذا المحتوى “ثورة استيطانية” تحاصر المدن.. كيف تحولت مناطق أوسلو إلى جزر معزولة؟ ظهر أولاً في سواليف.





