تحقيق "البلاد" | خلف سلة الفاكهة: كيف تهدد اضطرابات الأسمدة الخليجية الأمن الغذائي العالمي وأثرها على المستهلك البحريني؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كبير اقتصاديي الفاو: استمرار الصراع لأكثر من 40 يومًا قد يدفع المزارعين لتقليص الأسمدة والمساحات المزروعة
رضا أميري: البحرين تمتلك مرونة مؤسسية لامتصاص الصدمات.. ويمكن تحويل الأزمة لفرصة سيادة غذائية
رضا البستاني: قفزة في نولون الشحن من مصر من 4500 إلى 7000 دولار.. والأسعار مرشحة للصعود
محمد آل عباس: اضطراب الأسمدة الخليجية قد يخفض الإنتاج الزراعي العالمي بين 10 - 30 %
في كل يوم، تصل ملايين الفواكه والخضار إلى الأسواق العالمية، لكن القليل فقط يعرف أن سر وفرتها واستقرار أسعارها يكمن في صناعة لا يراها أحد: صناعة الأسمدة. هذه الصناعة التي تبدو كخلفية عابرة للأحداث، تتحرك في قلب الاقتصاد الزراعي العالمي، وربما تكون سببًا – في أحوال أخرى – في ارتفاع أسعار الخضار أو نقص بعض المنتجات في الأسواق.
تشير التقديرات إلى أن سوق الأسمدة العالمي يتجاوز 200 مليار دولار سنويًّا، وأن التجارة الدولية منها تتجاوز 70 مليار دولار، مع إنتاج عالمي يقدر بأكثر من 200 مليون طن سنويًّا، يتركز في عدد محدود من الدول المنتجة للطاقة. وتشمل هذه الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية، ويعد الغاز الطبيعي المكون الأساس في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، حيث يمثل نحو 60 – 70 % من تكلفة الإنتاج.
وعلى صعيد الإنتاج الإقليمي، يبرز الخليج كأحد المراكز المهمة لهذه الصناعة، مع تقديرات سنوية تتراوح بين نحو مليون طن في الكويت إلى 12 مليون طن في أكبر الدول المنتجة، بينما تتوزع بقية الإنتاج بين البحرين (1–1.5 مليون طن)، والإمارات (3–4 ملايين طن)، وعُمان (4–5 ملايين طن)، وقطر (6–7 ملايين طن).
وعلى صعيد الإنتاج الإقليمي، يبرز الخليج كأحد المراكز المهمة لهذه الصناعة، مع تقديرات سنوية تتراوح بين نحو مليون طن في الكويت إلى 12 مليون طن في أكبر الدول المنتجة، بينما تتوزع بقية الإنتاج بين البحرين (1–1.5 مليون طن)، والإمارات (3–4 ملايين طن)، وعُمان (4–5 ملايين طن)، وقطر (6–7 ملايين طن).
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل التوترات السياسية والعسكرية الراهنة في المنطقة والاختناقات اللوجستية في الممرات البحرية الرئيسة: هل يمكن أن يؤدي وقف أو اضطراب صادرات الأسمدة من الخليج إلى هزّ الإنتاج الزراعي العالمي؟ وإلى أي مدى ستنعكس هذه التداعيات – إن حدثت – على أسعار الخضار والفواكه داخل أسواق الخليج نفسها؟
تداعيات محتملة
وفي هذا السياق، يدلي المهندس محمد توفيق آل عباس، رئيس جمعية المهندسين الزراعيين البحرينية، بتصريح خاص للتحقيق، يحذّر فيه من تداعيات محتملة، ويقول: “تشهد أسواق الأسمدة العالمية حالة من الترقب والقلق مع تزايد المؤشرات على تراجع أو تعطل جزئي في صادرات الأسمدة من دول الخليج العربي، التي تمثل أحد أهم مراكز الإنتاج العالمي لليوريا والأمونيا. ويأتي هذا التطور في وقت حساس يعتمد فيه القطاع الزراعي عالميًّا بشكل كبير على هذه الإمدادات لضمان استقرار الإنتاج.
ويرى خبراء أن أي اضطراب في صادرات دول رئيسة مثل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين قد يؤدي إلى خلل واضح في توازن السوق العالمي، نظرًا للحصة الكبيرة التي تساهم بها هذه الدول في تجارة الأسمدة النيتروجينية. ويُصنف حجم الأزمة الحالية بين المتوسط والمرتفع، خاصة إذا استمر التراجع لفترة ممتدة أو تزامن مع اضطرابات في مناطق إنتاج أخرى.
وفي هذا السياق، بدأت تظهر مؤشرات مبكرة على دخول القطاع الزراعي مرحلة ضغط، حيث سجلت أسعار الأسمدة ارتفاعًا ملحوظًا، إلى جانب تأخر في الشحنات وزيادة في تكاليف النقل. كما اتجهت بعض الدول إلى تعزيز مخزونها الاستراتيجي، في حين أبدى مزارعون في عدة مناطق صعوبة في تأمين الكميات المعتادة، ما دفع البعض إلى تقليص استخدام الأسمدة.
ويلفت آل عباس إلى أن هناك تقديرات أولية تشير إلى أن هذا التراجع قد ينعكس على الإنتاج الزراعي بانخفاض يتراوح بين 10 % و30 % في بعض المحاصيل، خاصة الحبوب الأساسية، مع توقعات بأن تكون الدول النامية الأكثر تأثرًا بسبب محدودية البدائل وارتفاع التكاليف، وفي حال استمرار المزارعين في تقليل استخدام الأسمدة، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تراجع إنتاجية المحاصيل وتدهور جودتها، إضافة إلى تقلص المعروض في الأسواق، ما يفاقم الضغوط على سلاسل الإمداد الغذائي.
ويزيد، بحسب التقديرات، قد يبدأ المستهلكون في الشعور بتأثيرات هذه الأزمة خلال فترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر بالنسبة للمحاصيل سريعة الإنتاج، بينما قد يمتد الأثر إلى ما بين ستة أشهر وعام كامل بالنسبة للمحاصيل الأساسية. ومن المتوقع أن يكون ارتفاع الأسعار تدريجيًّا في مراحله الأولى، إلا أنه قد يتحول إلى موجات حادة في حال تفاقم الأزمة واستمرار نقص الإمدادات.
وفي المحصلة، أكد رئيس جمعية المزارعين البحرينية أن المراقبين يحذرون من أن استمرار اضطراب إمدادات الأسمدة من الخليج قد يدفع العالم نحو موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء، مع تداعيات محتملة على الأمن الغذائي، خاصة في الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد”.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستتحوّل هذه التحذيرات إلى واقع؟ أم أن الأسواق وسلاسل الإمداد قادرة على امتصاص الصدمة؟ هذا التحقيق يسعى إلى مقاربة الإجابة من خلال تتبع أثر تصدير الأسمدة على الإنتاج الزراعي العالمي، ومناقشة انعكاساته المحتملة على الأسعار المحلية والإقليمية للفواكه والخضار، مع تقديم رؤية متكاملة للصناعة التي تتحرك خلف الكواليس، لكنها قد تحدد – في النهاية – ما يصل إلى أطباقنا كل يوم.
واقع الأسواق
ويرصد التحقيق واقع الأسواق من خلال حديث مع رضا البستاني، تاجر الخضروات والفواكه، أنه يتوقع ارتفاعًا في الأسعار مستقبلًا، يعزو ذلك ليست فقط على صعوبة الوصول للأسمدة بل إلى زيادة تكاليف الشحن البحري وصعوبة توفر الحاويات ووصولها إلى البلدان المستوردة، مؤكدًا أن هذه التكاليف أثرت بشكل كبير على الوضع العام للأسعار.
ويشرح بالقول: إذا لم تصل الأسمدة في الوقت المناسب للموسم الزراعي، فسيقل الإنتاج تلقائيًّا، أولًا، يقل الإنتاج في بلد المصدر فيرتفع السعر عنده. ثانيًا، يرتفع سعر الشحن البحري، وهذان العاملان معًا يخلقان حلقة مفرغة تضاعف الأسعار، ويضرب مثالًا: إذا كانت شركة زراعية تنتج ألفي طن شهريًّا، ثم انخفض الإنتاج إلى خمسمئة طن ومئتي طن أو فقط، فإن السعر يرتفع حكمًا، وهذه الآلية أوتوماتيكية لا مفر منها.
ويحدد البستاني أكثر المنتجات تضررًا حتى قبل الأحداث الراهنة بتلك التي تُشحن جوًّا عبر مطاري الدمام أو الرياض، والآن سعر نولون الشحن من مصر قفز من 4500 دولار إلى 7000 دولار، وليس مصر فقط بل من تركيا اليمن والإمارات وسوريا ودول أخرى.
أما المنتجات الأساسية اليومية كالخضار الورقية، فيؤكد البستاني أن أسعارها لا تزال مستقرة نسبيًّا، والمعروض متوفر، ولم تتأثر كثيرًا حتى الآن، مشيرًا إلى أن المخزون الحالي يكفي للاستهلاك اليومي لشهرين أو ثلاثة أشهر قادمة.
وبالنسبة لليمون على سبيل المثال لا الحصر، وهو ليس منتجًا أساسيًّا في الاستهلاك اليومي يشير البستاني إلى أن سعره مرتفع منذ عام تقريبًا، موضحًا أن موجة صقيع قوية ضربت أفريقيا وإسبانيا العام الماضي أدت إلى اختفاء المحصول، وهذا العام عاد السعر ليرتفع قليلًا أيضًا، ولكن بسبب زيادة تكاليف الشحن وليس بسبب نقص المحصول فقط.
أما الطماطم، فيصفها البستاني بـ”المرتفعة “، لأن بعض الدول المصدرة أوقفت التصدير لتأمين حاجتها الداخلية أولاً، وقلصت الكميات المصدرة، مؤكدًا أن كل دولة تعطي أولوية لنظامها الغذائي الداخلي قبل التصدير.
قوة بحرينية
وفي قراءة استشرافية للتداعيات المحتملة، يرى الخبير الاقتصادي رضا أميري أن القيود المحتملة على صادرات الأسمدة من الخليج نتيجة أي تعطل في مضيق هرمز لا يجب النظر إليها كحدث تجاري عابر، بل كمتغير استراتيجي يمس منظومة الأمن الغذائي في المنطقة بأكملها. ويوضح أميري أن الخليج يمثل موردًا محوريًّا لمنتجات مثل اليوريا والأمونيا، وأن أي انقطاع في تدفق هذه الصادرات سيرفع تكاليف الإنتاج الزراعي عالميًّا، وهو ما سينعكس سريعًا على أسعار الفواكه والخضروات المستوردة إلى البحرين عبر ارتفاع أسعار الشحن والتأمين وتكلفة الزراعة في دول المنشأ.
إلا أن أميري يشير إلى أن نقطة القوة في البحرين تكمن في كفاءة الدولة وسرعة استجابتها للأزمات الإقليمية، مؤكدًا أن المملكة تمتلك خبرة مؤسسية متقدمة في إعادة هيكلة سلاسل الإمداد، سواء عبر المسارات البرية مع السعودية، أو عبر إعادة توجيه الواردات إلى موانئ بديلة خارج منطقة التوتر، فضلًا عن الاستفادة من شبكة التنسيق الخليجي المشترك في الغذاء والنقل والخدمات اللوجستية. ويرى أن هذه المرونة تقلل بشكل كبير احتمالات حدوث نقص في الأسواق، حتى لو ظهرت ضغوط سعرية مؤقتة.
ويذهب أميري إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن البحرين قادرة على تحويل هذا التحدي إلى فرصة استراتيجية لتعزيز سيادتها الغذائية. ويفسر ذلك بالتوسع في الزراعة الذكية، والبيوت المحمية، والاستثمار في سلاسل تبريد وتخزين أكثر كفاءة، إلى جانب تنويع الشركاء التجاريين خارج المسارات التقليدية، مؤكدًا أن هذه الأدوات تمنح المملكة قدرة أعلى على امتصاص الصدمات الخارجية. ويخلص أميري إلى القول إن التحدي الحقيقي لن يكون في توفر السلع، بل في إدارة كلفة التضخم الغذائي، وهي مساحة أثبتت فيها البحرين مرارًا قدرتها على التكيف السريع وحماية استقرار السوق المحلي.
تصخم عالمي بأسعار الأغذية
ومع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية الراهنة في المنطقة، بدأت المؤشرات الدولية تتحرك، ففي الجمعة الماضية، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أسعار الغذاء العالمية سجلت ارتفاعًا خلال شهر مارس، لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ سبتمبر 2025، وسط توقعات بمزيد من الارتفاع في حال استمرار الصراع في الشرق الأوسط وتأثيره على أسواق الطاقة.
وأوضح كبير الاقتصاديين في المنظمة، ماكسيمو توريرو، أن الارتفاعات الحالية في الأسعار جاءت “معتدلة” نسبيًّا منذ بداية الصراع، مشيرًا إلى أن السبب الرئيس يعود إلى ارتفاع أسعار النفط، في حين ساهمت وفرة الإمدادات العالمية من الحبوب في الحد من هذه الزيادات.
وأضاف توريرو أنه في حال استمر الصراع لأكثر من 40 يومًا وبقيت تكاليف المدخلات الزراعية مرتفعة، فقد يلجأ المزارعون إلى تقليل استخدام المدخلات أو تقليص المساحات المزروعة، أو التحول إلى محاصيل أقل اعتمادًا على الأسمدة، ما سينعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي مستقبلاً.
وأشار إلى أن هذه التغيرات المحتملة “ستؤثر بشكل مباشر على إمدادات الغذاء العالمية وأسعار السلع الأساسية خلال ما تبقى من العام الجاري والعام المقبل”، في إشارة إلى مخاطر طويلة الأمد على الأمن الغذائي.
وبحسب بيانات المنظمة، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي بنسبة 2.4 % مقارنة بشهر فبراير، كما سجل زيادة بنسبة 1 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكنه لا يزال أقل بنحو 20 % من الذروة التي بلغها في مارس 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. ومن جانبه، حذر عبد الحكيم الواعر من استخدام الغذاء كسلاح في النزاعات، مشددًا على ضرورة ضمان استمرار تدفق الإمدادات الغذائية، خاصة عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، لتفادي تفاقم الأزمة العالمية.
الخاتمة
المحصلة العامة تُظهر أن العالم يتجه نحو مرحلة ضغط غذائي محتملة تقودها أزمة الأسمدة وارتفاع تكاليف الشحن، حيث إن استمرار التوترات لفترة أطول قد يدفع المزارعين إلى تقليل الإنتاج، ما ينعكس على الإمدادات والأسعار عالميًّا، وتزداد المخاطر مع اعتماد الزراعة بشكل كبير على الأسمدة الخليجية، إذ قد يؤدي أي اضطراب فيها إلى تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة ملحوظة، بالتزامن مع موجة تضخم ناتجة عن ارتفاع تكاليف النقل، وهو ما يمهد لارتفاع تدريجي ثم حاد في أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.
أما على المستوى المحلي، فتبدو البحرين في وضع أكثر تماسكًا بفضل مرونتها المؤسسية وقدرتها على إدارة سلاسل الإمداد، ما يقلل احتمالات حدوث نقص في السلع، لكنه لا يمنع الضغوط السعرية، وبالتالي، فإن التحدي الأساس لن يكون في توفر الغذاء، بل في احتواء التضخم، مع وجود فرصة حقيقية لتحويل الأزمة إلى مكسب استراتيجي عبر تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد، بما يدعم الأمن الغذائي على المدى الطويل.
وهذه التحذيرات الأممية تضعنا أمام سؤال أكثر تحديدًا في سياق الخليج: هل يمكن أن يؤدي وقف أو اضطراب صادرات الأسمدة من الخليج في ظل التوترات الراهنة إلى هزّ الإنتاج الزراعي العالمي، وإلى أي مدى ستنعكس هذه التداعيات إن حدثت على أسعار الخضار والفواكه داخل أسواق الخليج نفسها؟




