ذكرى ثقيلة
بقلم / محمد علوش
مرَّت ذكرى يوم الأسير الفلسطيني هذا العام، كما في كل عام، مثقلة بوجع لا يهدأ، وبسؤال يتجدَّد: ماذا نحن فاعلون إزاء قضية تمثِّل جوهر الصراع مع الاحتلال، وعنوانًا يوميًّا لانتهاك الكرامة الإنسانية والقانون الدولي؟
ليست قضية الأسرى تفصيلًا في المشهد الوطني، بل هي في صلبه، حيث تختصر حكاية شعب يقاوم، وتكشف في الوقت ذاته عجز المنظومة الدولية عن إنفاذ مبادئها حين يتعلَّق الأمر بفلسطين.
الأسرى الفلسطينيون ليسوا أرقامًا في سجلات السجون، ولا حالاتٍ إنسانيةً معزولة، بل هم أسرى حرية بامتياز؛ مناضلون من أجل حق كفلته الشرائع الدولية، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى هذا الأساس، فإن اعتقالهم، في سياقه العام، يندرج ضمن منظومة قمعٍ استعماري تمارسها سلطة احتلال، في مخالفة صريحة لاتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة التي تكفل حماية المدنيين تحت الاحتلال، وتحظر الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
إن ما يتعرَّض له الأسرى من سياسات ممنهجة، من الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، إلى العزل الانفرادي، والإهمال الطبي، والتنكيل اليومي، يشكِّل، وفق القانون الدولي الإنساني، جرائم موصوفة تستوجب المساءلة، ومع ذلك، يبقى السؤال معلَّقًا: أين أدوات المحاسبة؟ وأين الإرادة السياسية الدولية التي تضع حدًّا لهذه الانتهاكات؟
في هذا السياق، لا يكفي أن نحيي الذكرى بخطابات تقليدية، أو بيانات موسمية، والمطلوب هو الانتقال من دائرة التعاطف إلى حقل الفعل المنظَّم.
أولًا، على المستوى الوطني، ينبغي إعادة الاعتبار لقضية الأسرى بوصفها أولوية مركزية في الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة، لا بندًا ثانويًّا يخضع لحسابات السياسة اليومية، وهذا يقتضي توحيد الخطاب، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الرسمية، والفصائل، ومنظمات المجتمع المدني، في إطار رؤية واضحة تحسن استثمار كل المنابر القانونية والدبلوماسية والإعلامية.
ثانيًا، على الصعيد القانوني، يتعيَّن تفعيل الآليات الدولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية، عبر تقديم ملفات موثَّقة حول جرائم الاعتقال التعسفي والتعذيب، وصولًا إلى عدم الإفلات من العقاب، كما يجب العمل على تدويل قضية الأسرى بشكل أوسع، وربطها بحملات حقوق الإنسان العالمية، واستنهاض دور النقابات والاتحادات الدولية، لتشكيل رأي عام ضاغط يحرج الاحتلال وحلفاءه.
ثالثًا، إعلاميًّا وثقافيًّا، نحن أمام مسؤولية إعادة تقديم قضية الأسرى بلغة تخاطب العالم، دون أن تفقد جذورها الوطنية، وعلينا أن نروي قصصهم كحكايات مقاومة إنسانية، وأن نحفظ أسماءهم ووجوههم في الذاكرة الجمعية، لا كضحايا، بل كصنَّاع معنى وصمود، فالمعركة على الوعي لا تقلُّ أهمية عن المعركة على الأرض.
أما على المستوى الشعبي، فإن إسناد الأسرى لا يكون بالشعارات وحدها، بل بتكريس حضورهم في الفضاء العام: في المدارس والجامعات، في النقابات، وفي الفعاليات اليومية، وإن تحويل قضيتهم إلى ثقافة مجتمعية حيَّة هو الضمانة الحقيقية لعدم تهميشها أو تراجعها.
إن يوم الأسير الفلسطيني ليس مناسبة للبكاء على الألم، بل محطة لمراجعة الذات الوطنية، واختبار جديَّتنا في تحويل الالتزام الأخلاقي إلى سياسات وأفعال، فالأسرى الذين دفعوا حريتهم ثمنًا لحرية شعبهم، يستحقون أن نرتقي إلى مستوى تضحياتهم، وأن نجعل من قضيتهم بوصلة لا تحيد.يبقى السؤال مفتوحًا، لكنه لا يحتمل التأجيل: ماذا نحن فاعلون؟ والإجابة بطبيعة الحال لا تكتب بالحبر، بل بالفعل.
The post ذكرى ثقيلة appeared first on الموقف الليبي.





